كثيرا ما يدخل احدنا الى احد المحال وفي نيته شراء قطعة او مادة استهلاكية محددة مسبقا, ولكنه يجد نفسه وقد خرج بأشياء عديدة اخرى لم تكن في الحسبان او ضمن خطة الشراء. ان هذا السيناريو شبه اليومي ليس إلا دليلا على ان هناك زيادة في منافذ الانفاق والاستهلاك, الأمر الذي يتوجب معه الحذر و(ضبط الاعصاب) امام اغراءات الشراء, خاصة بالنسبة للموظفين الذين يجب ان يكون انفاقهم ـ وعائلاتهم ـ منظما كي لا يتجاوز الحد الذي يسمح به الدخل الشهري لرب العائلة. هنا خمسة أساليب لضبط الانفاق تساعد العائلة على ادارة مواردها المالية بشكل حذر وآمن. الزوجة هي (الزعيمة المطلقة) في كثير من العائلات, فهي التي تدير ميزانية الاسرة, وهي التي تحدد اوجه الانفاق, وهي التي تحدد نوعية الطعام الذي تتناوله العائلة, وهي التي تختار الملابس وتحدد الهدايا ولمن تهدي. وقد انتزعت الزوجة هذه الزعامة انتزاعا, فغالبية الزوجات غير عاملات بل يعتمدن في معيشتهن على الأزواج الذين يكدحون ويسعون للحصول على المال اللازم, ومع ذلك يقعون تحت سيطرة السيدة الزعيمة التي تتحكم في ذلك المال. وامام تزايد اوجه الانفاق وتراكم الفواتير من كل لون ونوع وصعوبة توفير سبل كسب العيش, بدأ العديد من العائلات يعاني اوضاعا مالية صعبة للغاية, وتكاثرت الفواتير وتعددت اوجه الانفاق.. فواتير المدارس, وفاتورة الماء والكهرباء, وفاتورة اصلاح وصيانة السيارة, وفاتورة الوقود والاقساط البنكية.. فواتير بلا عدد تلتهم العوائد المالية التهاما وتدفع العائلات بقوة نحو بوابات البنوك التجارية, إما للحصول على قرض او جدولة قرض سابق او الحصول على بطاقة ائتمان تخول صاحبها صرف مبالغ نقدية وشراء الاحتياجات العائلية, وهذا شكل آخر من اشكال القروض التي تلتهم العوائد المالية. وفجأة تجد العائلة, وعلى رأسها السيدة الزعيمة, أنها تعيش وسط غابة من الالتزامات المالية التي لا حصر لها, وأن الديون قد بدأت تكبلها بطريقة لا فكاك منها, فهي ان فكرت في الخروج من قرض تفكر في الوقت ذاته بكيفية الحصول على قرض جديد وإن هي خططت لخفض انفاقها في مجالات معينة ظهرت مجالات إنفاق جديدة غير متوقعة. ولا ينفع العائلة في حربها ضد الانفاق سوى التخطيط المالي.. ولكن كيف يتأتى هذا التخطيط في الوقت الذي يأتي كل يوم بالتزام مالي جديد؟ قد يبدو الأمر مأساويا, إلا انه توجد دائما مخارج من الازمات. فهناك اساليب بسيطة يمكن ان تساعد العائلة على وضع خطة متكاملة لادارة مواردها المالية, ويمكن ايجاز هذه الاساليب في الخطوات التالية: ـ تسجيل المصروفات الشهرية في دفتر صغير تقسم صفحاته الى عمودين, او نصفين.. النصف الأول يحتوي على النفقات الضرورية لابقاء العائلة على قيد الحياة مثل ايجار المنزل وفواتير الكهرباء والماء وغيرها من الاحتياجات التي لا يمكن الاستغناء عنها او تجاهلها. وتسجل على النصف الآخر النفقات الشهرية لكل فرد من افراد العائلة التي يمكن تقسيمها الى مجموعات محددة مثل الطعام والترفيه ومصروفات السيارة والاجازات والملابس وغيرها. ويجب تسجيل هذه المصروفات طوال ايام الشهر وبدقة متناهية حتى تتم الاستفادة التامة من هذه البيانات في التعرف على اوجه الانفاق التي تستنزف معظم العوائد المالية. ـ بعد تدوين البيانات الشهرية يتم جمع كل النفقات التي تضمها القائمة (الملابس, وقود السيارة, ايجار المنزل.. الخ), اضافة الى اجمالي الانفاق الشهري. وهنا تجيء اللحظة الحاسمة, و هي لحظة مقارنة الانفاق الشهري مع العوائد المالية. وقد تصاب العائلة بصدمة, حيث تكتشف انها مبذرة للغاية. ـ وضع علامات معينة على اوجه الانفاق الضرورية, فقد يكون لابد من شراء ملابس جديدة لعدد من افراد العائلة. ولكن لماذا تضخمت مصروفات السيارة؟ ألم يكن في الامكان تقليص هذه المصروفات من ألف الى ستمئة درهم مثلا, وذلك بالحد من تحرك افراد العائلة؟ ـ ما هي اوجه الانفاق التي لم يتم وضع علامة عليها؟ هل يمكن احداث خفض في اي منها؟ وإن لم يكن ذلك ممكنا يتعين النظر مرة اخرى لاوجه الانفاق التي تم وضع علامة عليها والتفكير في اجراء خفض في بعضها. ـ والآن, وبعد انجاز هذه المهمة, يتم الانتقال الى الشهر التالي, ومقارنة النتائج.. وهكذا حتى يتم تسجيل المصروفات طوال العام. وقد تستنزف هذه العملية وقتا طويلا, وقد تكون مملة للغاية, وذلك لأن افراد الاسرة انما يدربون انفسهم للتفكير بطريقة مختلفة. ولكن لابد من الصبر والالتزام الصارم بهذه العملية حتى تتكشف ـ بمرور الوقت ـ المجالات التي يمكن خفض الانفاق عليها. إن الاولوية يجب ان تكون لادارة الموارد المالية للعائلة بطريقة مثالية واحداث توازن ما بين الانفاق والدخل بهدف ادخار بعض الاموال. ويبدو ان العائلات, في ما يتصل بهذا الموضوع, تنقسم الى ثلاث فئات, ولكل واحدة منها مشكلاتها الخاصة.. إلا ان هناك بعض الحلول المشتركة والفئات الثلاث هي: ـ العائلات التي تتوفر لها بعض الدراهم نهاية كل شهر.. وهذه يجب ان تكون غاية في السعادة, لأن هذا هو الهدف الذي يجب ان تسعى نحوه جميع العائلات لكي تدخر شيئا من المال يقيها عثرات الحياة ومواجهة الحالات الطارئة. وقد نعتقد ان عائلات هذه الفئة لا تعاني اية مشكلات وانها تعيش في رفاهية يحسدها عليها الجميع, ولكن هناك امورا مخفية لابد من النظر اليها. فعلى سبيل المثال.. هل تقوم هذه العائلات باستخدام بطاقات الائتمان في استدانة مبالغ كبيرة؟ إن كان الأمر كذلك هل تتزايد هذه الديون ام تتناقص؟ وإن كانت الديون في تزايد مضطرد, إذن فالمشهد الحقيقي هو غير ما نراه أمام اعيننا! ـ العائلات التي تستهلك ما يتوفر لها من موارد مالية في سد احتياجاتها ولا تدخر شيئا.. وهذه العائلات هي النموذج الشائع, حيث تقاتل لدفع الفواتير الشهرية بانتظام. وهنا يجب ان يفكر كل واحد من افراد العائلات التي تأتي ضمن هذه الفئة بعناية شديدة في اية مصروفات كبيرة قبل ان يلتزم بذلك. وهذه الثقة هي اكثر عرضة للانهيار المالي في حالة الظروف الطارئة. ويتعين على هذه الفئة اجراء تحليل دقيق لانماط استهلاكها للتعرف على المجالات التي يمكن اجراء بعض التخفيضات عليها والتخلص من بعض العادات الاستهلاكية او المنزلية مثل ابقاء البيت مضاء طوال الليل او تشغيل مكيفات الهواء خلال فصل الشتاء. ـ أما الفئة الثالثة فهي تلك العائلات التي تجد صعوبة بالغة في سد احتياجاتها والتي يجب عليها ان تدرس الاساليب الخمسة التي اشرنا اليها سابقا, لانها وببساطة شديدة بحاجة كبيرة اليها. وسوف لن تزول المشكلة لمجرد الركود لتلك الاساليب, إذ لابد من النظر بعناية للمجالات التي تذهب اليها الأموال والاجتهاد في خفض الانفاق عليها. والبديل الوحيد الآخر هو السعي لزيادة الموارد المالية, ولكن كيف واسواق العمل متخمة؟ والسؤال الذي يكتسب اهمية بالغة هنا هو: كيف تستطيع فئات العائلات التي ذكرناها الفكاك من شباك الفواتير والديون وبطاقات الائتمان؟ وهل يمكنها ان تفعل ذلك حقيقة؟ قد يبدو الامر صعبا للغاية إن لم يكن مستحيلا في ظل نمط الحياة الذي نعيشه والذي يجبر البشر اجبارا على مجاراته, وإلا اصبحنا جميعا غير مواكبين لروح العصر. ان الفواتير ستظل هاجسا تعيشه العائلات كل شهر, فهي تكون مستحقة الدفع في مواقيت معلومة لا يمكن تجاوزها, ويجب دفعها كلها في وقت واحد ومن جيب واحد, ولا توجد أية امكانية لارجاء دفعها او اعادة برمجتها, فهي من الكمبيوتر وإلى الكمبيوتر. اذن لا مجال للتلاعب ولا مناص من الدفع, وإلا راحت الكهرباء واصيب الهاتف بالخرس. ان المشكلة هي ان ميزانيات معظم العائلات لا تسمح بأي هامش من الخطأ, فكل درهم يجب ان يذهب في جهة معلومة. ومع ذلك استطاع الانسان بعبقريته الفذة استحداث اساليب او حيل ذكية لتجاوز معضلة الفواتير الشهرية. واختراع نظام تأجيل الدفع ووظف بطاقات الائتمان كأداة لذلك الاختراع, إذ انها تتيح وفي اريحية شديدة تأجيل تحصيل الاموال التي يتم سحبها او قيمة الفواتير التي يتم دفعها لمدة ثلاثين او اربعين يوما. وتتيح هذه الحيلة عدم سحب او قيد القيمة إلا بعد مرور الفترة الزمنية المحددة. ومع ذلك توجد بعض المحاذير الخاصة باستخدام هذه البطاقات, إذ يجب ألا تكون البطاقة مدينة للجهة التي اصدرتها, اضافة الى ان صاحبها يتحمل الفوائد البنكية المقررة من لحظة استخدام البطاقة سحبا او سدادا لفاتورة, ولهذا ان لم يكن رصيده يسمح باستخدام البطاقة فكل ما عليه فعله هو الاتجاه لمؤسسة مالية اخرى للحصول على بطاقة اخرى.. وهنا الطامة الكبرى! كما يمكن ارجاء دفع قيمة الفواتير لمدة قصيرة, فهي على الرغم من انها قد تكون مستحقة الدفع في يوم معين من الشهر, إلا انه يمكن الانتظار لبضعة ايام لحين التأكد من استلام الاجر لدفع قيمتها بالكامل. هذا اضافة الى اصدار شيك بقيمة الفاتورة يكون غير مستحق الدفع الا بعد فترة. وافضل وسيلة بالطبع هي دفع الفواتير قبل مواعيد استحقاقها. وعلى الرغم من ان هذه المسألة قد تبدو صعبة, إلا انها ممكنة, فعلى سبيل المثال يمكن دفع فواتير شهر مارس من اجر شهر فبراير.. وهكذا, وهذا الاسلوب قد يكون احدى قنوات الادخار الضرورية. وماذا عن الديون المتراكمة؟ وهل يمكن لأية عائلة ان تتخلص منها؟ ان الطريقة الوحيدة للتخلص من الديون هي عدم الاستدانة. وإن لم يكن ذلك ممكنا فالطريقة الوحيدة الاخرى هي الانتظام في دفع الاقساط الشهرية وتقليص المصروفات الاستهلاكية. ومن جهة اخرى فإن الشيء الوحيد الذي يحمي العائلات ويقيها حمى الاستهلاك هو عدم وجود قانون يجبرها على شراء السلع والمنتجات, او حتى زيارة المراكز التجارية. ويجدر بالسيدة الزعيمة ان تعمل على ترشيد الانفاق بادئة بنفسها اولا.