فيما كانت الأضواء الكاشفة تنير مطار غزة الدولي ليلاً كان أحد مسئولي المطار يشير بيديه قائلاً لي: انظر, هل هذا معقول؟ أن نمتلك مطاراً في غضون أشهر ولدينا رحلات دولية قادمة من المغرب وموسكو وبوخارست؟هذا المسئول هو المقدم عبدالحميد المصري مدير أمن المطار, يراوده شعور بالانتصار على اسرائيل التي طالما حاولت عرقلة بناء مطار غزة تحت ذرائع أمنية, ويقول بهدوء وثقة: لقد جاء الوقت الملائم لكي نعمل, نحن الان مسئولون عن هذا المطار بنسبة 98% تقريباً) ولما سألته عن نسبة الـ 2% المتبقية أجاب: انها مجرد مراقبة اسرائيلية عن بعد للمسافرين لحظة الهبوط أو الصعود الى الطائرة. الحوار كان يدور بجوار الطائرة الفلسطينية (القدس) التي كانت محركاتها تدور استعداداً للإقلاع الى أبوظبي في رحلة مباشرة, إلا أنه امتد لفترة إضافية من الوقت في إنتظار حالة مرضية, وفيما كنت أتحاور مع مسئولي المطار على المهبط الأرضي جاءت عربة إسعاف تقل عجائز مسافرين للخارج, وحضر رجل مخابرات اسرائيلي بلباس مدني ليستكشف الأمر, أفاده ضباط الأمن الفلسطينيون بأن العجائز سينقلون الى الطائرة بدون تفتيش نظراً لمرضهن, وهذه هي الأوراق (جوازات السفر وتصاريح الزيارة) رد الاسرائيلي هذا لا يكفي؟ وأجابه المسئول الفلسطيني هذا هو الموجود, لا نستطيع عمل أكثر من ذلك امتعض الاسرائيلي وقال بالانجليزية الركيكة (أتعتقدون أنني مسرور لوجودي هنا معكم, إنني لا أعلم السبب الذي يدفعني للعمل هنا, انها التعليمات, انا لم أر أطفالي منذ أسبوع) . وأبلغني مدير أمن المطار الفلسطيني.. نحن لا نقبل تدخلات الاسرائيليين حينما تكون زائدة عن حدها, وعلى سبيل المثال نطلب دائماً من الهلال الأحمر ارسال سيارة اسعاف عند وصول رحلات الطائرة الفلسطينية لاستقبال المرضى أو كبار السن, ولا أعتقد أنه يوجد مطار آخر في العالم يقدم هذه الخدمة الانسانية, الاسرائيليون رفضوا في البداية على اعتبار ان جميع القادمين أو المغادرين يجب أن يمروا عبر حاجز التفتيش الاسرائيلي في (معبر العودة) لأسباب تتعلق بالأمن, الا أننا رفضنا هذا الاجراء بالنسبة للمرضى وكبار السن وكبار الشخصيات من الزوار. في المطار القريب من الحدود المصرية مع فلسطين يقابل (أبو العبد) مدير الجمارك الناس بابتسامة عريضة, ويسهل لهم بعض المشكلات فالناس هناك في حالة ترحال وشحن بضائع من والى غزة, الكل يحاول إقتناء ما فاته من أدوات كهربائية ومنزلية وكأن الزمن سيفوته اذا لم يحصل عليها دفعة واحدة, موظفي الجمارك يردون بهدوء على استفسارات الناس وبدون انفعال وكأنهم اختيروا بعناية لامتصاص غضب الناس من الضرائب الباهضة على الإلكترونيات خصوصاً, ويلاحظ الانضباط أيضاً في صفوف العاملين في المطار ودقة النظام والنظافة والخدمة الداخلية, لدرجة ان العامل الذي نقل أمتعتي في الوصول والمغادرة رفض تناول البقشيش (الاكرامية) قائلاً لي: هذه إهانة, أنا أعمل هنا بمرتب, قلت له ولكن المرتب صغير حسبما أظن, أجاب, صحيح ولكن الحمد لله. حتى أبو أحمد صاحب الكافتيريا أفاض بكرمه حينما قرر استضافتي على فنجان شاي لمجرد انني سألته عن أحوال العمل في المطار. ولا أظن ان هناك مشاكل إدارية أو فنية في مطار غزة, ولكن السبب الوحيد لعدم تشغيل المطار بكامل طاقته أو حتى بنصفها هو عدم قدرة الخطوط الفلسطينية على اقتناء مزيد من الطائرات النفاثة لنقل الركاب حتى الآن. متاعب (الفلسطينية) : يقول بعض مسئولي دائرة الطيران المدني في غزة ان (الفلسطينية) تواجه العديد من المتاعب أبرزها عدم سماح اسرائيل لها بشراء طائرات لنقل الركاب من الطرازات المتطورة ذات الجسم الكبير, وهذه المسألة تؤرق الشركة الوليدة التي لم يمض على تأسيسها ثمانية أشهر تقريبا, فالشركة ستظل محدودة ومقصوصة الأجنحة إذا لم تتوسع وتكبر مثل باقي شركات الطيران الاقليمية الأخرى. و(الفلسطينية) في الوقت الراهن تمتلك طائرة بوينج 727 أهداها الأمير الوليد بن طلال للرئيس ياسر عرفات قبل عامين وطائرتين من طراز فوكر سعة 50راكباً, ولا يلبي هذا الاسطول خطط وطموحات (الفلسطينية) , ولذلك فإن الشكوى تبدو جاهزة على لسان مسئولي شركة الخطوط الجوية والذين يخفون أخطاءهم أحيانا تحت مظلة التعنت الاسرائيلي ولكن يجب علينا القول بأن إدارة (الفلسطينية) في غزة بحاجة لمزيد من الترشيد والعقلانية ففيها مدراء ومسئولون وطواقم إدارية تكفي لتشغيل 20 طائرة وليس ثلاث طائرات صغيرة. خطط وتوسعات: لكن على ما يبدو ان الخطوط الجوية الفلسطينية أرادت استباق الأحداث وعينت هؤلاء المدراء والمسئولين الكثر تمهيدا لشراء الطائرات واستئجارها. وتجري هذه الشركات حاليا مفاوضات مع كندا لشراء أربعة طائرات سعة 50 راكبا للواحدة من كندا, ومن المتوقع أن تدخل هذه الطائرات الخدمة في الخطوط الفلسطينية قبيل حلول موسم الصيف من العام المقبل. فالطائرة (البوينج 727), العاملة حاليا على الخطوط غزة - دبي, غزة - أبوظبي, غزة - الدوحة, غزة - جدة, لا تلبي الضغط الكبير من المسافرين أو طلبات الشحن المتزايدة, فهذه الطائرة كما يقول محمد أبو عبيدة من مكتب الخطوط الفلسطينية بأبوظبي تعمل بكامل طاقتها حاليا, وتساءل, فما الذي سيحدث عند بداية موسم الاجازات في الصيف المقبل؟ وأضاف: لقد طلبنا رحلات اضافية لنقل الركاب في موسم الشتاء مع بداية العطلة الشتوية واحتفالات مهرجان بيت لحم 2000 إلا اننا لم نجد استجابة من غزة. وفي مقر الشركة في غزة يقول العديد من المسئولين ان الشركة بانتظار قرار شراء الطائرات الجديدة أو الاستئجار, لان موسم العمرة من غزة إلى جدة هذا العام كثف الضغط على الطائرة الوحيدة المستخدمة حاليا وبسبب موسم العمرة تم تعديل جداول الرحلات مرات عديدة ما بين غزة ودول الخليج. من التأسيس إلى الانطلاق يقول العميد فايز زيدان رئيس دائرة الطيران المدني الفلسطيني ورئيس الخطوط الفلسطينية: ان المرحلة الماضية كانت بمثابة تأسيس للشركة والآن بدأنا مرحلة الانطلاق, ففي العام الماضي 1999 نقلت (الفلسطينية) 60 ألف مسافر عبر الخطوط الجديدة إلى القاهرة وعمان ودبي وأبوظبي والدوحة وجدة وتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى الضعفين خلال العام 2000 خاصة في ظل حلول الألفية الثالثة لميلاد المسيح عليه السلام واستقبال عشرات الآلاف من الحجاج إلى الديار الفلسطينية المقدسة. وقال زيدان: كما لدينا برامج تشغيلية طموحة أعددنا لها بتشغيل نظام الحجز الآلي, وانارة مطار غزة الدولي والتعاقد لشراء طائرات جديدة سوف يتم استلامها في مارس 2001 وهي طائرتان من طراز (داش 8) تتسع لـ 50 راكبا وطائرتان من طراز CRJ النفاثة تتسع لـ 50 راكبا وهي تتناسب مع رحلاتنا في المحيط القريب من فلسطين وهي مصر والأردن ودول الخليج وتركيا واليونان وقبرص. وحينما سئل العميد زيدان عن احتمالات خصخصة الخطوط الجوية الفلسطينية قال ان النية تتجه نحو خصخصة مطار غزة وشركة الخطوط الفلسطينية لاعطاء القطاع الخاص الفرصة للمساهمة في رأسمال الشركة, وبالتالي تزويد الشركة بالطائرات كبيرة الحجم وتوقع استئجار طائرات للشحن الجوي لمواجهة الطلب الكبير للشحن من والى فلسطين. وعن أسباب استمرار معاناة المسافرين الفلسطينيين واجبارهم على الانتقال من المطار الى معبر رفح الحدودي للتفتيش واجراءات الدخول أو الخروج قال زيدان: نحن نتفهم وندرك شعور المواطن الفلسطيني لمروره في معبر رفح لفحص وثائق السفر أثناء سفره وعودته الى مطار غزة الدولي, وبالتأكيد فإن هذه الاجراءات التي لا يتقبلها المواطن الفلسطيني لن تستمر, إذ ان التأخير في انشاء الجناح المشترك داخل المطار يعود لأسباب خارجة عن ادارة سلطة الطيران المدني. وأضاف: (نحن نحرص على اختصار المدة الزمنية لفحص الاوراق الثبوتية والحقائب في معبر رفح البري, وهذا ما يلاحظه المسافر الفلسطيني اثناء السفر. لا يوجد تفسير واضح لعدم اقامة مبنى مشترك للتفتيش داخل المطار حتى الآن, البعض يقول ان الدول المانحة تراجعت عن تمويل المبنى, وآخرون يقولون ان السلطة الوطنية الفلسطينية لا تريد ان يقام هذا المبنى في الوقت الحاضر خوفا من ان يثبت الاسرائيليون أقدامهم فيه بحجة ان الاتفاقية تمنحهم الحق في التحكم في حركة السفر ذهابا وايابا. غير ان المسألة التي تؤرق الناس هي استمرار تفتيشهم في المعبر الحدودي للعام الثاني على التوالي دون ان تظهر بوادر لانتهاء هذه المعاناة, فالانتظار الطويل في المعبر الحدودي ـ بلا داعي احيانا ـ يفسد متعة السفر بالطائرة خاصة اذا كان المسافر يركبها للمرة الأولى في حياته.