لا خلاف الآن بين جميع المصرفيين على العولمة, فهم يعرفون أنها قائمة وموجودة, لكنهم لا يعون تحديدا ماذا تعني بالنسبة لهم. هناك كثير من البنوك العالمية الكبرى تندمج مع بعضها, فقد بدأت بعملية الاندماج التي تؤدي إلى مؤسسات عملاقة في منطقة الشرق الأوسط أيضا . ومع الجهود الحالية لغالبية دول المنطقة بهدف الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية, فإن عزلة البنوك هناك تدوم طويلا. ويعتقد كثير من المصرفيين ان موجة الاندماجات حتمية لكن القليل منهم يتفقون على الأسباب والدوافع الرئيسية لهذا الاندماج ومتى تبدأ العملية بنشاط وقوة دفع كبيرين. الاندماج يفرض على المصارف تغيير أسلوب عملها ونوعه أيضا. وسوف يتطلب نمو التجارة الالكترونية وشيوع استخدام الانترنت اعادة هيكلة شاملة في عمل البنوك وسوف يكون الشرق الأوسط جزءا من هذه العملية. والحقيقة ان المنطقة بالفعل تتوق إلى التكنولوجيا الجديدة وقد تكون في مقدمة المستفيدين بها. ولا بد أن يتطور دور الذين يضعون اللوائح والقوانين من أجل مواكبة العالم الجديد من أسواق متحررة سريعة النمو بلا قيود من أي نوع. فلا بد من تطبيق أنظمة قوية في الشيكات والحسابات. وسوف يسهل هذه العملية تزايد الضغط من أجل الشفافية من الأسواق العالمية والتقدم الذي حدث بالفعل. يصر بنك الامارات العربية المتحدة على سبيل المثال على تسجيل النتائج المالية السنوية للبنوك العاملة في البلاد على أن تتفق مع مستويات المحاسبة العالمية. إلا ان هناك حاجة إلى توجيه مزيد من الاهتمام لقضايا مثل غسيل الأموال وقوة الحسابات الختامية. الأكبر هو الأفضل: ما زال هناك غموض حول ما إذا كانت منطقة الشرق الأوسط سوف تتبع اتجاه الاندماجات الكبرى في مجال المصارف. فإن النمو السريع في المجموعات المصرفية الكبيرة مثل سيتي بنك والبنك الألماني والبريطاني لم يتحقق من خلال التوسع العضوي بل عن طريق حيازة الأسهم بين مجموعة وأخرى, ومن الصعب أن نتخيل أن يبقى الشرق الأوسط بعيدا عن هذه العملية مع اختزال المسافات في العالم بفعل تكنولوجيا المعلومات. حتى الآن ليس أمام البنوك في منطقة الشرق الأوسط إلا أن تتطور وتنمو خلف جدار سميك من الحماية يعزلها عن المجموعات الخارجية التي تريد المشاركة. غير ان هذه الجدران السميكة بدأت تنهار بفعل التكامل في الاقتصاد العالمي وسوف تكون الكلمة الأخيرة للعضوية في منظمة التجارة العالمية. إن ثمن الوصول إلى الأسواق العالمية هو انفتاح الاقتصاد المحلي, وهو ما بدأ يحدث في الشرق الأوسط, وهناك كثير من المؤسسات العالمية التي تنتظر دخول أسواق المنطقة. كما اتضح من التطورات الأخيرة في كل من مصر ولبنان. ومع فتح أسواق الخليج تدريجيا أمام المنافسة الخارجية سوف تكون البنوك الأجنبية حريصة على أن يكون لها حصة في هذه الأسواق. ويقول الذين يدافعون عن اتجاه الاندماج ان التنافس سوف يزداد في الأسواق وان المؤسسات المحلية الصغيرة التي لم تنضم إلى كيانات أكبر, لن يكون أمامها خيار آخر لا سيما انها سوف تكون صغيرة جدا بحيث لا تقوى على المنافسة. غير ان الفرصة ما زالت هناك أمام البنوك المحلية أن تحمي نفسها من خلال الفترة الانتقالية التي تسمح بها منظمة التجارة العالمية, وسوف تكون أهم وسائل الدفاع هي قوة الحسابات الختامية والحصة في السوق. ويقول جون كلود كينياجي المدير الاقليمي في الخليج لبنك كريديت اجريكول اندوسويز ان قطاع الصرافة سوف يتأثر بمنظمة التجارة العالمية, وسوف تزداد المنافسة وسوف يكون من مصلحة البنوك كثيرة العدد أن تندمج لأن عددها كبير جدا. وعندما يحدث ذلك لن يكون هناك مكان للصغار, إننا جزء الآن من الاقتصاد العالمي. لكن الأشهر الاثني عشر الماضية شهدت كلاما وحديثا أكثر من الأفعال, مع وجود استثناءات بسيطة, مثل المؤسسة المصرفية العربية, التي تستمر في بناء شبكتها الاقليمية عن طريق شراء بنوك في مصر والجزائر.وهناك أيضا في منطقة الخليج, الاندماج بين البنك السعودي الأمريكي والبنك السعودي المتحد, اللذين أصبحا معا ثاني أكبر مصرف في المملكة العربية السعودية من حيث حجم الأصول, وثالث أكبر مصرف في منطقة الخليج. وهناك صفقات اندماج أخرى تلوح في الأفق, مثل الاندماج بين الامارات الدولي وبنك دبي الوطني, في الامارات العربية المتحدة. وسوف تضطر البنوك المحلية أيضا إلى البحث عن فرص فيما وراء الحدود. فقد وافقت دول مجلس التعاون الخليجي على السماح للبنوك فيها باقامة شبكات عبر حدودية لكن لم يحدث تقدم كبير في هذا الصدد حتى الآن. والاستثناء الوحيد هو بنك الخليج الدولي ومقره البحرين, الذي يريد فتح فرع في الرياض في فبراير المقبل, وسوف يكون أول مصرف أجنبي يؤمن وجودا في السوق السعودية في اطار غير مشروع مشترك. وليس من قبيل الصدفة ان بنك الخليج الدولي حصل على موافقة وكالة النقد السعودية (البنك المركزي) بعد اتمام عملية الاندماج مع البنك السعودي الدولي ومقره لندن وقد تتكرر هذه العملية مع بنوك أخرى. منتجات جديدة وكيانات جديدة: وسوف تستطيع البنوك توفير خدمات جديدة وتوصل تلك المنتجات بأساليب جديدة باستخدام أفضل تكنولوجيا متاحة. هذه التكنولوجيا منتشرة بالفعل. حتى البنوك المعروفة بموقفها المحافظ مثل بنك دبي الوطني, تقدم خدمات مصرفية بالهاتف. ويقول عبدالحميد سعيد المدير التنفيذي لبنك الخليج الأول هناك كثير من البنوك بالفعل في سوق الامارات المصرفية ذات التنافس الشديد, لذلك فإن التركيز على العملاء هو مفتاح النمو. والخدمات المصرفية عن بعد التي تقدم بالأسلوب المناسب سواء عن طريق الهاتف أو الانترنت تمكن البنوك من الاستجابة لرغبات وحاجات العملاء, كما توفر مزيدا من المرونة لان هناك حاجة إلى خفض الانفاق المادي أكثر من التوسع في شبكات الفروع. ويفترض أن يعتمد استمرار النمو في ظل العدد الكبير من البنوك وارتفاع المنافسة, على الحلول التكنولوجية وليس زيادة التوسعات من خلال زيادة عدد الفروع. والسنوات العشر المقبلة سوف تتميز بتزايد الخدمات والمنتجات التي تقدمها البنوك وليس الاتساع في عدد الفروع, كما يقول التجوكوك, المدير الاقليمي لبنك ابن أمرو في الشرق الأوسط وافريقيا. ويضيف: ان اللمسة الانسانية سوف تظل هامة, على الأقل صوت حميم مألوف, لكنه لا مفر من التفاعل الالكتروني, فالأنظمة التكنولوجية المتقدمة سوف تساعد في تيسير تقديم الخدمات الحالية فضلا عن تطوير خدمات جديدة. وسوف تحاول الخدمات الحالية أن تتجاوز مجرد عمليات الاقراض والايداع ويكون لها شأن في سوق الخدمات المالية الأرحب. فهناك مجالات لم تتطرق إليها البنوك في الشرق الأوسط مثل الرهونات وتمويل شراء السيارات والتأمين, وسوف توفر للبنوك مصادر محتملة أوسع لزيادة العائدات. ويقول أحد كبار المصرفيين ان غالبية المصارف في المنطقة تبحث عن تنويع مصادر العائدات وهي مجرد مسألة العثور على الأسواق الأكبر والوسائل التكنولوجية للوصول إليها. انتشار التمويل الإسلامي: قد يكون نمو التمويل الإسلامي هو الأسرع نموا في المنطقة خلال العقد المقبل, فقد شهدت السنوات الماضية توسعا كبيرا في نشاط البنوك الإسلامية, وزاد عدد البنوك الإسلامية بشكل كبير, وتم انشاء عدد منها في منطقة الخليج في العام الحالي. كما ان نطاق منتجاتها ونشاطها في اتساع مستمر, وحقق انتشار المصارف والاستثمارات الإسلامية نموا سريعا على المدى القصير والمتوسط. ويشير انشاء غالبية البنوك الدولية لوحدات تمويل إسلامية إلى نمو هذا القطاع ومستقبله. ويقول أندرو ديكسون نائب رئيس فرع البنك البريطاني للشرق الأوسط ان هناك أصولا قيمتها مئة ألف مليون دولار أمريكي تحت إدارة بنوك إسلامية وهذا قدر كبير من الأصول يسترعي الانتباه. لكن هناك عدد من القضايا في حاجة إلى حلول لضمان النمو والتطور الصحي في هذا القطاع. فما زالت اللوائح الدولية تحاول فهم كيف تنخرط البنوك الإسلامية في المجتمع المالي الدولي سوف تكون مهمة جهات التنظيم الدولية أيسر وأسهل مع تزايد الشفافية وتحقيق أي تقدم في تأسيس ممارسات محاسبية على المستوى الدولي. وتعتبر هيئة النقد البحرينية أكثر الهيئات تكيفا مع إدارة المؤسسات المالية الإسلامية, وأصبحت البحرين المكان المفضل لغالبية البنوك الإسلامية الخارجية. وسوف يتعين على هيئة النقد البحرينية بالتعاون مع منظمة المحاسبات والتدقيق للمؤسسات المالية الإسلامية أن تمضي قدما في وضع اللوائح للبنوك الإسلامية إذا كان لها أن تندرج في النظام المالي العالمي. وما زال أمام القطاع المالي الإسلامي طريقا طويلا لتطوير بدائل للمنتجات المصرفية التقليدية, مع التركيز على المنتجات المالية طويلة المدى. فهناك حاجة إلى انشاء سوق بين البنوك الإسلامية لا سيما انه يمكن توفير السيولة وإدارتها, ويعتبر نجاح خدمة التأجير قصيرة المدى التي أطلقها بنك الاستثمار الإسلامي الأول مع بنك سوسيتيه جنرال مؤشرا على الاتجاه الذي يمكن أن تأخذه البنوك الإسلامية ولا شك ان قطاع البنوك في الشرق الأوسط سوف يشهد تغيرات جذرية خلال العقد المقبل. فمن المتوقع أن تأتي موجة الاندماجات تقلل من عدد البنوك العاملة في المنطقة وتزيد من قوتها. كما ان تكنولوجيا المعلومات والعولمة سوف تشكل ضغوطا من جانب الطلب لتغيير طبيعة المنتجات التي تقدمها البنوك والطريقة التي تقدم بها هذه المنتجات أيضا. وسوف تتغير أسعار كثير من البنوك, فضلا عن السبب الذي يوجد من أجله البنك أيضا.