هيا نحتفل بالثورة الهادئة, أعني عودة (العمالة الكاملة) , ففي عقدي الستينات والسبعينات كان تعريف رجال السياسة وخبراء الاقتصاد لهذا المصطلح هو الوصول بمعدل البطالة الى 4%. ولابد انهم شعروا بخيبة الأمل مراراً حيث في كل مرة يتناقص فيها عدد العاطلين يرتفع معدل التضخم. لكن ما الذي يحدث الآن؟ منذ منتصف عام 1997 ومعدل البطالة اقل من 5% غير ان معدل التضخم لم يتغير. والعام الماضي ارتفع مؤشر الاسعار الاستهلاكية 1.6% فقط. وخلال السنوات الخمس الماضية لم يتنبأ أحد من الاقتصاديين بذلك خاصة وانهم يدينون بنظرية تسمى (المعدل الطبيعي للبطالة) وملخصها أنه تحت معدل معين للبطالة فان سوق العمل يصبح عسيرا بحيث ترتفع معدلات التضخم والأجور بصورة حتمية, ولا يصبح أمام اصحاب العمل سوى تقديم مرتبات عالية لموظفيهم سرعان ما تمتصها عمليات ارتفاع الاسعار. وطبقا لاراء خبراء الاقتصاد في بداية العقد الحالي فان المعدل الطبيعي للبطالة كان يتراوح بين 5.5 و6%. ويبدو الآن ان المتشائمين قد اصبحوا اكثر الناس تفاؤلا. فما الذي حدث؟ يشعر العمال بالخطر ويسعون للحصول على زيادات في الراتب وفي حالة عدم الاستجابة لمطالبهم ينتقلون للعمل في مكان اخر. وفي غضون ذلك, رفعت شركات الكمبيوتر من انتاجيتها ونجحت في امتصاص الزيادات المتواضعة في تكلفة العمالة دون رفع الاسعار. وتصادف ايضا ان ساعدت الواردات الرخيصة في الحد من التضخم كما عملت اعانات الانفاق الصحي على تخفيض تكاليف التأمين على هذه العمالة. غير ان هذه ليست كل الحقيقة, ذلك ان المعدل الطبيعي للبطالة ليس (طبيعيا) فهو يختلف من بلد الى اخر او من عام لاخر في نفس البلد الواحد. انه يعتمد على السياسات التي تنتهجها الحكومات وممارسات رجال الاعمال واتجاهات العمالة. الذي حدث تحديدا في الولايات المتحدة هو ان الشركات التجارية اعادت (تفصيل) الاجور للحد من الصراع بين ارتفاع الاجور وتفاقم الاسعار. يقول ديفيد هوفريتشر ـ من شركة هاي للاستشارات ـ ان هناك فجوة هائلة بين اساس الراتب واجماليه. وتقوم الشركات بالاستفادة من ذلك للمواءمة بين التكاليف وبين عائداتها. هناك عدة عوامل اخرى ساهمت ايضا في تشكيل هذا الوضع. الخبيران الاقتصاديان لورانس كاتز من جامعة هارفارد وآلان كروجر من برينستون, يقدران المعدل الطبيعي للبطالة بنسبة تقل 1% عن المعدل السابق وذلك اعتبارا من منتصف العقد الماضي. ويتفق الاثنان ان هناك ثلاثة اسباب لذلك: 1 ـ العمالة المسنة, فمنذ اواخر السبعينات انخفض عدد العاملين تحت 25 سنة من 25% الى 16% من اجمالي قوة العمل, ونظرا لأن العمالة المسنة قليلا ما تتجه الى تغيير وظائفها فان ذلك يؤدي الى خفض انتاجية وطاقة العمل لديهم, علاوة على انه يحد من معدل البطالة. وفي 1998 بلغ عدد العاطلين البالغ اعمارهم من 20 الى 24 سنة ما يساوي 7.9% من اجمالي قوة العمل. 2 ـ وكالات المساعدات الطارئة: في العام الماضي شغلت هذه الوكالات نحو 2% من اجمالي عدد الوظائف المتاحة مقارنة بـ 0.5% في اوائل الثمانينات. ونتيجة لذلك حصل كثير من العاطلين على وظائف جديدة في وقت قصير. 3 ـ نسبة عدد السجناء فمنذ 1980 تراوح عدد السجناء من 316 الف سجين الى 1.3 مليون سجين عام 1998 منهم 90% رجال. وقبل دخولهم السجن كان الغالبية العظمى منهم يندرجون تحت فئة العاطلين, وبمجرد سحبهم من فئة العاطلين, انخفض معدل البطالة. بيد ان ما سبق ليس دقيقا تماما. ذلك ان تقدير المعدل الطبيعي للبطالة يعتمد في قدر كبير منه على التخمين. واليوم يصل معدل البطالة الى 4.2% (تقديرات مايو السابق) وربما ينخفض عن ذلك. ولنتذكر ما حدث في عقد التسعينات عندما اخذ البنك المركزي الامريكي بالتركيز على احتواء التضخم. ولم يتحدث احد قط عن العمالة الكاملة. غير ان هذا الاحجام كان يعمل على رفع الشعور الايجابي بتحسن مناخ دوائر الاعمال والحصول على وظيفة دائمة بطول العمر لكل عامل على حدة.