عززت ازمة الاسواق المالية في الدول الآسيوية اهتمام المستثمرين الدوليين بالمنطقة العربية اذ ارتفعت قيمة تدفقات رؤوس الاموال الخاصة الى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا (حسب تصنيف البنك الدولي) التي تضم غالبية الدول العربية من 6.4 مليارات دولار عام 1996 الى حوالي 14.1 مليار دولار عام 1997 مما يرشح المنطقة لتشكل احد البدائل المحتملة لاستقطاب الاستثمارات التي خرجت من الدول الآسيوية او التي كان مفترضا ان تتوجه اليها بعد ان بات واضحا ان هذه الاستثمارات ستستمر بالدوران فيما بين الاسواق الناشئة سعيا وراء العوائد المرتفعة التي يمكن تحقيقها خاصة في اسواق الاسهم, حيث تكون الاصول عموما مقيمة باقل من قيمتها الحقيقية, ويكون اتجاه الاسعار تصاعديا بمعدلات عالية وخلال فترات قصيرة نسبيا بعكس اسواق الاسهم في الدول الصناعية حيث تكون الاسعار مستقرة وتميل الى التذبذب بمعدلات بسيطة. وقالت دراسة للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار انه تجدر ملاحظة ان الاستثمارات الاجنبية في الاسواق الناشئة وتحديدا الاستثمارات المحفظية تمتاز بالتقلب وعدم الثبات فتتحرك بسرعة دخولا او خروجا من بلد معين وبأحجام كبيرة, مما يترك اثارا سلبية في كلتا الحالتين يجب التنبه لها مبكرا. واذا كان انخفاض الاموال الخاصة الى الدول الآسيوية الخمس التي تركزت فيها الازمة بنسبة 87.1% عام 1997 مقارنة بعام 1996 من 93 مليار دولار الى 12 مليار دولار دليلا على التقلب الكبير في اتجاهات التدفقات الاجنبية الخاصة, فانه يشكل بالوقت نفسه دليلا على تنامي معرفة وخبرة المستثمرين الدوليين باسواق الدول النامية واجراء تقويم دقيق للتطورات الجارية فيها, مما يسمح بحصر نتائج الازمات التي تتعرض لها دولة ما او مجموعة دول ضمن الحدود الجغرافية لهذه الدول وضم الحدود القطاعية اللازمة بدلا من اعتبار الاسواق الناشئة وحدة متجانسة والتعامل مع التطورات فيها برد فعل موحد كما حدث مثلا خلال ازمة المكسيك حين شهدت جميع دول امريكا اللاتينية موجة هروب واسعة لرؤوس الاموال وترافق ذلك مع انخفاض التدفقات المالية الخاصة الى كافة الدول النامية. وتتضح هذه الحقيقة من القراءة المتأنية للارقام المتعلقة بحجم واتجاهات تدفقات رؤوس الاموال الى الاسواق الناشئة خلال عام 1997 كما رصدتها مؤسسة التمويل الدولية اذ لا تكفي ملاحظة انخفاضها الى حوالي 199.6 مليار دولار مقابل حوالي 295.2 مليار دولار عام 1996 للدلالة على عمق تأثير الازمة الاسيوية بل يفترض ملاحظة ارتفاع قيمة التدفقات الى العديد من الدول النامية بما فيها الدول الآسيوية التي لم تطالها ذيول الازمة والتي زادت حصتها بحوالي 10 مليارات دولار كما زادت قيمة التدفقات الى دول امريكا اللاتينية ومجموعة دول اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق, اما انخفاض القيمة الاجمالية للتدفقات الى الاسواق الناشئة فيعود الى ضخامة نصيب الدول الآسيوية الخمس التي تركزت فيها الازمة من هذه التدفقات والذي يصل الى نحو 31%. ويتضح مما سبق ان الفرصة مواتية للدول العربية للحصول على نصيب اكبر من التدفقات المالية الخاصة لاسيما اذا تم التركيز على تعميق عوامل القوة والتوازن في اقتصاداتها, بما يؤكد تمايزها عن الدول ذات الاقتصادات غير المتوازنة وكذلك التركيز على ترسيخ سياسات الاصلاح والتحرير الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص, سيما وان غالبية الدول العربية اصبحت تمتلك رصيدا جيدا في هذا المجال يتمثل في تحقيق معدلات نمو مرتفعة تتجاوز 4% سنويا وانخفاض معدل التضخم الى مادون 10% وكذلك عجز الموازنات العامة الى اقل من 1.5% من الناتج المحلي الاجمالي وذلك بالرغم من تضافر عدة عوامل سلبية خلال العام الماضي وقد ترافق ذلك مع عمل دؤوب في مجال برامج الخصخصة وفتح مجالات جديدة امام القطاع الخاص لاسيما في قطاع البنية التحتية وانشاء وتطوير الاسواق المالية.