رغم ان الظهور الحقيقي للاحتكارات العالمية المتمثلة في الشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات كان في أواخر القرن التاسع عشر, إلا ان النمو المتكامل لهذه الاحتكارات واستراتيجياتها على المستوى العالمي تبلور بشكل واضح في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبالتحديد مع بدايات تنفيذ مشروع مارشال الأمريكي لنهضة الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب عندما سعت مجموعة من الدول الصناعية الى وضع نظام عالمي يهدف الى تحرير التجارة الدولية وإزالة العوائق من أمامها, وتبلور هذا السعي بداية مع قيام 23 دولة في عام 1947 بتوقيع أول اتفاقية دولية للتعريفة الجمركية والتجارة. واصطدمت هذه الاستراتيجية الاقتصادية العالمية في بدايتها مع نمو حركات الاستقلال والتحرر في الدول النامية من أشكال الاستعمار التقليدي, وسعي هذه الدول الجديدة بعد التحرر إلى بناء اقتصادياتها والسعي لتكوين سياسات اقتصادية مستقلة إلى حد ما عن هيمنة الدول الصناعية الكبرى على الاقتصاد العالمي. وقد ساعد التوازن الدولي الذي ظهر بعد الحرب وانقسام العالم إلى كتلتين ومعسكرين متصارعين على صمود الدول النامية وتمكنها الى حد كبير من حماية اقتصادياتها الناشئة في مواجهة اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى والاحتكارات العالمية طيلة العقود الأربعة التي تلت أربعينات الحرب العالمية. وانعكس صمود الدول النامية طيلة هذه العقود في إعاقة مخططات الدول الصناعية الكبرى وسعيها الى تحطيم الحدود وتحرير التجارة الدولية وغزو الأسواق في كل أنحاء العالم, وانعكس هذا بدوره على تطور ونمو اتفاقيات الجات طيلة هذه العقود. الغرب يرفض ويمكن القول بأن اتفاقيات تحرير التجارة الدولية كانت تحوي خلال هذه العقود بنودا أغلبها في صالح اقتصاديات الدول النامية وربما كان هذا هو السبب الأساسي في عدم دخول هذه الاتفاقيات الى حيز التنفيذ بسبب كثرة الاعتراضات والتحفظات التي كانت تضعها الدول الصناعية الكبرى على بنود هذه الاتفاقية, وتبلور هذا بشكل واضح في الجولات التي مرت بها الاتفاقيات وخاصة جولة طوكيو عام 1979 والتي فرضت فيها الدول النامية على الاتفاقية بنوداً كثيرة تحقق حماية لاقتصاديات هذه الدول في مواجهة الاقتصاديات العملاقة للدول الكبرى الصناعية. ومع انهيار المعسكر الاشتراكي وفي بداية التسعينات أصبحت الفرصة سانحة بشكل كبير للدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لفرض هيمنتها على الساحة الدولية, وبدأ التحول الكبير في سير اتفاقيات الجات الى الجانب الآخر تماما لصالح الدول الصناعية الكبرى والاحتكارات العالمية, وتم اعادة صياغة الاتفاقيات بشكل آخر, وتم توقيعها في عام 1994 في ثوبها الجديد الذي يسمح لانتاج الدول الصناعية الكبرى بأن يغزو أسواق العالم كله بلا عوائق أو حواجز أو منافسة من انتاج الدول النامية الضعيف الذي كانت تحميه في الأسواق الرسوم والتعريفات الجمركية العالية. منظمة التجارة العالمية وفي مايو عام 1995 تحولت اتفاقيات الجات الى شكل تنظيمي دولي جديد تحت اسم (منظمة التجارة الدولية) وتحققت هذه الخطوة بهدف أساسي خططت له الدول الكبرى وهو تكوين سلطة عليا فوق سلطات الدول تتولى تنفيذ بنود الاتفاقيات بقوة الإلزام عن طريق فرض عقوبات على الدول المخالفة, وقد تم هذا بالفعل في ديسمبر عام 1996 في جولة سنغافورة التي وافقت فيها الدول الصناعية الكبرى على منح منظمة التجارة العالمية سلطات تسمح لها بالتدخل في الشؤون الاقتصادية للدول. التعامل إجباري وتتحكم منظمة التجارة العالمية من خلال اتفاقيات الجات في 90% من حجم التجارة الدولية, وهو الأمر الذي يعني ان الدول مجبرة على التعامل معها والدخول في عضويتها, ومن يرفض ذلك فلن يجد لمنتجاته مكانا في الأسواق العالمية. ويبلغ حجم الانتاج العالمي المطروح في كل أسواق العالم ما يقرب من 40 تريليون دولار, تملك منه الشركات متعددة الجنسيات التي يبلغ عددها أكثر من أربعة آلاف شركة عملاقة وعدة آلاف من الشركات المتوسطة حوالي 48%, في الوقت الذي تملك فيه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 27% من الانتاج العالمي وهذا يعني ان ثلاثة أرباع الانتاج العالمي يقع في يد الولايات المتحدة والشركات متعددة الجنسيات التي يزيد فيها حجم رؤوس الأموال الأمريكية على 30% وإن كانت مستقلة إلى حد ما عن الاقتصاد الأمريكي لكنها لا تدخل في تنافس مباشر معه, ويأتي بعد ذلك في الترتيب دول الاتحاد الأوروبي واليابان ويملكان معا حوالي 18% من الانتاج العالمي, وهكذا يصبح أكثر من 90% من الانتاج العالمي تحت هيمنة الثالوث الصناعي الكبير الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والذين وضعوا معا البنود الأساسية في اتفاقيات الجات من أجل خدمة مصالحهم الاقتصادية, ويبقى في النهاية ما يقرب من 7% من الانتاج العالمي هو حجم مساهمة انتاج الدول النامية كلها مجتمعة في الانتاج العالمي, وتتمثل غالبية مساهمات الدول النامية في مصادر الطاقة من نفط وغاز وفحم ومواد خام من معادن ومحاصيل زراعية تستخدم لتنمية قطاع التصنيع في الدول الصناعية الكبرى. ويواجه الانتاج الصناعي الضخم في الدول الصناعية الكبرى مشكلة كبيرة تهدده بشكل مباشر وهي الكساد نتيجة انغلاق العديد من أسواق الدول النامية في وجهه وفرضها رسوما جمركية وضرائبية عالية على الاستيراد, بهدف حماية المنتج المحلي وتحقيق دخول وموارد مالية للميزانيات الوطنية, ويكفينا ان نعطي مثالا على الكساد في الدول الصناعية الكبرى يتمثل في أن الولايات المتحدة الأمريكية تتكبد خسائر سنوية تقدر بأكثر من 40 مليار دولار, كما تتكبد اليابان خسائر سنوية تصل الى أكثر من ثمانية مليارات دولار بسبب عدم امكانية توفر أسواق لمنتجاتها وبسبب الرسوم الجمركية الباهظة التي تفرضها الدول النامية على السلع والمنتجات القادمة من هذه الدول. فوائد الجات لمن؟ من هذا الاستطلاع السريع لأوضاع التجارة الدولية يتضح لنا مدى الفوائد التي تعود على الدول الصناعية الكبرى من وراء تحرير التجارة العالمية من خلال اتفاقيات الجات, ومدى الخسائر والأضرار التي تعود على اقتصاديات الدول النامية التي سوف تجبر على فتح أسواقها بلا قيد أو شرط أمام طوفان الانتاج العالمي القادم من الدول الكبرى, وأولى هذه الخسائر ما يصيب منها الانتاج المحلي الذي لن يستطيع بالطبع المنافسة مع انتاج الدول الصناعية الكبرى عالي الجودة والأرخص بعد إلغاء الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد, هذا إلى جانب حرمان الدول النامية من مصدر دخل ومورد مالي كبير لميزانياتها من خلال الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على الاستيراد هذا المصدر الذي يشكل في العديد من الدول النامية نسبة تزيد على 20% من الدخل القومي, وكثير من الدول العربية مثل مصر والأردن وسوريا والسودان وغيرها تعتمد اعتمادا كبيرا على الجمارك وضرائب الاستيراد كمصدر دخل كبير لها. انخفاض الأسعار ويتصور البعض خطأ أن رفع القيود عن التجارة العالمية والغاء الجمارك سوف يؤدي الى انخفاض الأسعار لأنه سوف يفتح المجال بشكل كبير للمنافسة, وهذا غير صحيح الى حد كبير لأن المنافسة في حد ذاتها غير موجودة وانتاج الدول النامية الذي يعتمد في الأساس على التكنولوجيا المستوردة من الدول الصناعية الكبرى لا يستطيع المنافسة, أما شركات الاحتكارات العالمية وشركات الدول الصناعية الكبرى ما بينها ليس منافسة بقدر ما هو مصالح مشتركة وتنسيق وتفاهم واستراتيجية اقتصادية عالمية سوف تدعم أركانها اتفاقيات الجات التي سوف تضبط آلية التعامل في الأسواق العالمية. وكيف تكون المنافسة مثلا في أسواق الدول العربية التي تعتمد على الاستيراد بنسبة أكثر من 80%, ولنا أن نتخيل أن الدول العربية تستورد فقط غذاء سنويا, بمقدار ما يقرب من 40 مليار دولار, وتعتمد في الغذاء على الاستيراد بنسبة تصل الى 70%, فإذا كانت الدول الصناعية الكبرى تتحكم الى هذه الدرجة في الغذاء للعرب فأي تحد وأية منافسة من الممكن أن يبديها العرب في الأسواق وهل تستطيع دول تعتمد على الاستيراد في غذائها بهذه النسبة العالية أن تتحكم في أمنها الاقتصادي والقومي بشكل عام في مواجهة احتكارات الدول التي تصدر إليها الغذاء. وقد يتصور البعض أن اتفاقيات الجات سوف تخدم المنتجات الوطنية للدول النامية ومنها الدول العربية حيث تزيل من أمامها العوائق للدخول للأسواق العالمية, وهذا أيضا غير صحيح لأن 80% من الانتاج المحلي من الدول النامية وخاصة الدول العربية موجه للدول الصناعية الكبرى وهو عبارة عن مصادر طاقة من نفط وغاز ومواد خام معدنية وزراعية وغيرها تستخدم في تنمية ودعم صناعات الدول الكبرى, وليس لدى العرب أسواق أخرى غير الدول الصناعية الكبرى تستوعب هذا الانتاج, هذا كله في ظل غياب أية استراتيجية أو سياسة مشتركة أو آلية عربية موحدة للتعامل مع الأسواق العالمية, وحتى السلع العربية المتوجهة الى الأسواق العالمية تواجه نوعا آخر من العوائق يسمى ضريبة الإغراق في حالة ما إذا كانت هذه السلعة تشكل أية منافسة لأي سلعة داخل أسواق دول الاتحاد الأوروبي مثل المنتجات القطنية المصرية التي تواجه ضريبة إغراق قدرها 12%. البتروكيماويات العربية وحتى الصناعة العربية الوحيدة التي يمكن أن تجد لها أسواقا عالمية بعيدة عن معوقات الجات وهي صناعة البتروكيماويات نجد أن العرب بينهم في هذه الصناعة وبين بعضهم تنافس شديد غيرمعلن على التسويق في الأسواق العالمية, ويصل على حد قول بعض المراقبين إلى التنافس غير الشريف الذي يلجأ فيه بعض المنتجين العرب إلى تخفيض الأسعار سعيا لكسب السوق على حساب المنتجين الآخرين, هذا في الوقت الذي ينادي فيه الكثيرون بضرورة توحيد الجهود والتنسيق والتكامل الاقتصادي بين العرب. وفي ظل هذا المناخ وهذه الظروف التي يعيشها العرب وهذا التشتت والانقسام الذي يعانون منه يصبح الأمل ضعيفا امام امكانية صمودهم أمام تأثيرات تحرير التجارة العالمية من خلال اتفاقيات الجات, هذا على الرغم من أن اتفاقيات الجات رغم كل سلبياتها تحوي بعض المواد القليلة التي تعطي فرصة ذهبية للعرب للنهوض باقتصادياتهم في إطار تحرير التجارة العالمية, هذه الفرصة تتمثل في مبدأ الدول الأولى بالرعاية الذي تمنحه الجات للتكتلات الاقتصادية ومجموعات الدول التي تكون فيما بينها تجمعا اقتصاديا مشتركا, وهذا المبدأ يتيح لهذه التجمعات أن تضع قواعد خاصة للتبادل التجاري فيما بينها تحول دون غزو الانتاج الأجنبي لأسواقها وذلك في إطار قانوني يخضع لاشراف منظمة التجارة العالمية, وهذا الامتياز الذي وضعته الدول الصناعية الكبرى في اتفاقية الجات قصدت منه بالتحديد دول الاتحاد الاوروبي التي استطاعت فيما بينها تأسيس تكتل اقتصادي وتجاري عالمي يصعب على الدول النامية اختراقه حتى في إطار تحرير التجارة الدولية, ولكن على المستويات الاقليمية فإن لدى العرب الامكانيات اللازمة للاستفادة من هذا الاستثناء والامتياز لو صدقت نيتهم وتوجه سعيهم وجهودهم لتأسيس تكتل اقتصادي عربي أو على الأقل لو استطاعوا في الوقت الحاضر أن يكونوا السوق المشتركة بينهم التي اتفقوا عليها أكثر من مرة من خلال تأسيس منطقة التجارة الحرة العربية, والتي حتى الآن لم تدخل في أطوار التنفيذ العملي رغم حلول الوقت المتفق عليه للبدء في تأسيسها على مدى السنوات العشر المقبلة. الغزو الفكري وتبقى كلمة أخيرة لابد من ذكرها, وهي أننا تحدثنا هنا فقط عن تأثيرات اتفاقيات الجات على التجارة والأسواق العربية بشكل عام, لكننا لم نتعرض لتأثيرات التجارة على باقي قطاعات الحياة الأخرى خاصة المجالات الاجتماعية والتي تشكل الجات بالنسبة لها مصدر خطر أكبر في نظرنا من النواحي الاقتصادية فإلى جانب نمو البطالة وزيادة حدتها نتيجة غزو المنتج الأجنبي وعدم مقدرة المنتج المحلي على المنافسة مما يترتب علىه إفلاس العديد من المصانع الوطنية وإغلاق أبوابها وتسريح العاملين فيها, هناك تأثيرات اجتماعية سلبية كثيرة وعلى رأسها الغزو الفكري والأدبي والإبداع الفني الأجنبي للأسواق العربية من أفلام سينمائية وفنون مختلفة وكتب ومطبوعات وتسجيلات فيديو وكاسيت وغيرها من صنوف الإبداع وبرامج الكمبيوتر, وكلها في حد ذاتها سلع انتاجية تخضع في النهاية لقوانين تحرير التجارة في اتفاقيات الجات, هذا في ظل تخلف العرب في هذه المجالات وعدم مقدرتهم على المنافسة وغزو الأسواق العالمية, في الوقت الذي سوف تجبر فيه الأسواق العربية والمجتمعات العربية على فتح أبوابها على مصراعيها لهذا الغزو الفكري والاجتماعي بكل ما يحمله من أضرار وأخطار اجتماعية واقتصادية. كل هذه المخاطر وغيرها الكثير تنتظر العرب في مفرمة الجات, وحتى الان ما زلنا نفتقد تماما الى الدراسات العربية العلمية والمتخصصة الصادرة عن خبراء عرب متخصصين حول تأثيرات الجات على الأسواق والمجتمعات العربية وكيفية تكوين آليات مشتركة للتعامل معها. مغازي البدراوي