رغم تأكيد الحكومات العربية في السنوات الأخيرة على الإهتمام بتطوير وتدعيم قطاعات السياحة لتساهم بفاعلية في الدخل القومي والنهوض الاقتصادي , إلا أن المؤشرات الاحصائية والنتائج العملية لهذه التوجهات ما زالت سلبية ولا تعكس تقدما جوهريا في هذه الأجواء فقد بدأ مجلس الوزراء العرب المعنيين بشؤون السياحة والذي عقد مؤخرا اجتماعاته في دمشق خطوات نحو تفعيل السياحة البينية العربية ومحاولة مواجهة المشكلات والصعوبات التي حالت حتى الآن دون زيادة إسهام قطاع السياحة في الدخل القومي بالدول العربية. وفي هذا التقرير تتناول (البيان) خطة تطوير وتحديث قطاع السياحة بالدول العربية والتي تتبناها عدة جهات حكومية والقطاع الخاص واتحادات عربية متخصصة, كما يركز على مظاهر الخلل والضعف في الواقع السياحي العربي الحالي. نصيب محدود قبل أن نرصد آراء الخبراء ومقترحاتهم للنهوض بقطاع السياحة في الوطن العربي, فإن الأرقام والاحصاءات تشير الى نصيب العرب المحدود جدا في السوق السياحية العالمية. وعلى سبيل المثال فإن في العالم سنويا حوالي 600 مليون سائح يجوبون مختلف الدول السياحية لكن أقل من 14 مليون سائح فقط هم الذين يأتون الى زيارة الدول العربية وذلك على الرغم من أن هذه الدول تنفرد عن معظم بلدان العالم من حيث شواطئها الساحلية الممتدة لمسافات طويلة ومن حيث امكاناتها الاثرية والتاريخية الهائلة والثروات الطبيعية التي يمكن ان تنعش كافة أنواع السياحة العلاجية والترفيهية وغيرها. واللافت للانظار في مفارقات أوضاع السياحة العربية مقارنة بالوضع السياحي العالمي ان عائدات السياحة العربية لا تتجاوز في احسن معدلاتها 5% فقط من عائدات السياحة العالمية سنويا, الأمر الذي يعني بشكل قاطع وجود مشكلات وصعوبات حقيقية تواجه قطاع السياحة على المستوى العربي. في هذا السياق ورغم أن السائح العربي يتفوق ويتميز عن السائح الاجنبي باعتباره الاكثر انفاقا, والاكثر قضاء لليالي السياحية وأقل عرضة للتأثر بالشائعات والظروف الاستثنائية, الا أن أرقام عائدات السياحة القطرية أيضا مازالت ضعيفة اذا ما قورنت بامكانات الدول العربية. لم تأت هذه الأرقام والبيانات السلبية من فراغ, وفي دراسة للاتحاد العربي للفنادق والسياحة تفسير لذلك يقوم على أن الدول العربية في معظمها مازالت تفتقد للتسهيلات الموحدة للقطاع السياحي مثل المنشآت الفندقية والسياحية وطرق التغلب على العقبات التي تعيق صناعة السياحة. وفي الوقت نفسه لم تطبق الدول العربية بعد البرامج والمفاهيم السليمة والمتطورة الخاصة بالعملية التسويقية والدعائية والترويجية للمناطق السياحية العربية. ولم تقم بعد بشكل واسع المعارض والمؤتمرات للتعريف بهذه المناطق ومزاياها, كما لم تستخدم بعد التقينات الحديثة والوسائل الدعائية والاعلامية المتطورة والانترنت في خدمة صناعة السياحة العربية. ويخلص الاتحاد العربي للفنادق والسياحة الى أهمية انعقاد مؤتمر قومي عربي لبحث تطوير وزيادة السياحة البينية العربية ولاسيما مع وجود فرص كثيرة متاحة للاستثمار في قطاعات السياحة والفنادق. ويوصي الاتحاد بأن يعنى هذا المؤتمر بتنشيط الاستثمار في الاتجاهات العالمية والاقليمية لصناعة السياحة وفرص الاستثمار في الوطن العربي بما في ذلك المسائل القانونية الاساسية المتعلقة بالاستثمارات السياحة.. بالاضافة الى مصادر التمويل المحلية والدولية, ويدعو لأن يصاحب هذا المؤتمر معرض للمشاريع السياحية الاستثمارية التي تشارك فيها كبرى الشركات المتخصصة ذات العلاقة للترويج لمشروعاتها التي تبحث لها عن مصادر تمويل. ومن المهم أن تشارك في هذا العمل المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وغرف التجارة والصناعة العرب ومؤسسات التمويل العربية والبنوك وغيرها. خطة مستقبلية وحول كيفية اعداد قطاع السياحة العربي لمواجهة الصعوبات الراهنة في صناعة السياحة العالمية تحدث نقولا نخلة رئيس اتحاد منظمات وكالات السياحة العربية (أفتا) لــ (البيان) فقال: ان الاتحاد يتبنى خطة مستقبلية تقوم على ثلاثة عناصر هي: ــ منح الأولوية للصناعة السياحية واعتبارها استراتيجية اقتصادية تعمل على استيعاب القوى البشرية العاملة. ــ متابعة الأسواق المنافسة أخذين موضوع المحافظة على البيئة بعين الاعتبار وكذلك رفع مستوى الخدمات. ــ مواجهة كافة العراقيل والصعوبات التي تعيق نمو وازدهار الصناعة السياحية. ويتبنى (افتا) حسب كلام رئيس الاتحاد مجموعة توصيات لتطبيق هذه الأهداف وترجمتها عمليا ومنها تبسيط اجراءات تأشيرات الدخول والتفكير فورا بإصدار فيزا عربية لعدة بلدان منها دولة الامارات العربية المتحدة والسعودية ودول شمال افريقيا والشرق الاوسط, على أمل اصدار تأشيرة دخول عربية موحدة لكافة هذه الدول في مرحلة لاحقة. وتتضمن الخطة أيضا دعوة الحكومات العربية من خلال الوزارات والجهات المعنية للسماح لرجال الأعمال العرب والمجموعات السياحية للتنقل بين الدول العربية دون الحاجة الى الحصول على تأشيرات مع ضرورة إلغاء القيود على انتقال السيارات, وإنشاء تعريفات سفر تشجيعية للنقل الجوي اما بين نقطتين أو بين عدة بلدان عربية على غرار الكوبنات وذلك في أوقات الركود وكذلك فتح الاجواء للرحلات العارضة والخاصة ان امكن. ويضيف نقولا نخلة ان هذه الخطة تسعى وبجدية لوضع خطة عمل شاملة لتأمين المواصلات فيما بين البلدان العربية والشرق الاوسط وشمال افريقيا والسعودية والامارات, وذلك بانشاء خطوط سكك حديدية بالاضافة الى الطرق البرية والبحرية والحديثة, فليس بامكان غالبية السياح في هذه الدول تحمل تكاليف السفر بالجو. تبسيط معاملات السائحين وفي السياق نفسه تتناول خطة منظمات وكالات السياحة العربية (أفتا) عدة مقترحات وأفكار جوهرية منها: ــ تبسيط معاملات الدخول للسائحين العرب على الحدود بين البلدان العربية, وتأمين كافة وسائل الراحة للمسافرين والسياح. ــ اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لصيانة المواقع الاثرية والسياحية لتظهر بشكل حضاري جميل وبقصد صيانة البيئة للحفاظ على هذه الآثار للأجيال المقبلة, وضرورة أخذ المواقع الاثرية والسياحية بعين الاعتبار عند انشاء الطرق وكذلك تزيين هذه الطرق بلافتات ارشادية الى المواقع الاثرية والفنادق. ــ ضرورة التنويع في المشوقات السياحية حتى لا يكون هناك اعتماد كلي على نوع معين من السياحة او حتى على بلد معين كمزود للسياح والكشف عن الآثار وزيادة المشوقات وعناصر الجذب تدريجيا. ــ تكليف وسائل الاعلام العربية بتبادل البرامج السياحية تشجيعا للمواطنين العرب لزيارة هذه المواقع, آخذين متطلبات السوق في الاعتبار بكل بلد عربي. ــ ضرورة اعتماد المعلومات والأرقام وأصول التسويق قبل اصدار اية قرارات تهم الصناعة السياحية وهو ما يقلل من أية أضرار يمكن أن تنجم تحت أية ظروف. ــ إعادة دراسة التشريعات التي تحكم الفعاليات السياحية من نقل جوي وبري وبحري ومطاعم, ومتاجر وتحف شرقية وحرفية, وعدم اثقال كاهل الصناعة السياحية بالضرائب الحكومية الا في حدود المعقول وعند الضرورة. تحديات الجات ومع بدء تطبيق اتفاقيات الجات وتحرير التجارة العالمية للخدمات, تواجه السياحة العربية تحديا خطيرا يستدعي تحركا عربيا عاجلا يقوم على ضرورة اتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية صناعتها السياحية سواء برفع مستوى الخدمات أو بتنويع مستواها ومستويات الايواء والمسكن, أو وسائط النقل, وأساليب التدريب والتسويق وغيرها. ويحتاج ذلك أيضا الى تطبيق برنامج تدريبي بشكل مستمر لرفع مستوى خدمات القوى البشرية لمواجهة المنافسة العالمية في مجال الخدمات, وضرورة المشاركة والتعاون بين القطاعين العام والخاص العربيين في قطاع السياحة والسفر مع التركيز على الصناعة السياحية باعتبارها صناعة تصديرية. المفارقة ان الدول العربية لديها امكانات تكاملية في قطاع السياحة لم تستثمر او توظف حتى الآن. وعلى سبيل المثال, وحسب ورقة مقدمة لمجلس الوزراء العرب المعنيين بشؤون السياحة, فإن السائح العربي ينفق بمعدل 40% على الاقل اكثر من السائح الاجنبي.. بالاضافة الى ان السياحة البينية العربية في الوقت الحاضر تشكل حوالي 40% من مجمل السياحة في أي بلد عربي, وقد تقل أو تزيد حسب موقع ذلك البلد ومستوى خدماته وعناصر الجذب والتسهيلات والمزايا التي يقدمها في قطاع السياحة. والغريب أيضا في واقع السياحة العربية أن 95% من انتقالات وسفر السائحين ورجال الاعمال العرب تتم عن طريق شركات وبواخر وسفن أجنبية بسبب عدم وجود خطوط منتظمة جوية وبحرية بالعالم العربي. النقل والسياحة ويطرح سامي فايد عضو مجلس ادارة الاتحاد العربي للنقل البري أفكارا لمعالجة مشكلات السياحة البينية العربية, ومنها وضع مشروع اتفاقية عربية موحدة لنقل الركاب بين أقطار الوطن العربي شاملة النقل السياحي, على أن تتضمن هذه الاتفاقية تسهيلات وحوافز وإعفاءات على المعابر لتشجيع النقل السياحي. ويضيف: لابد من انشاء شركة سياحية عربية كبرى تكون قادرة على دراسة واقع السياحة في الوطن العربي, وتعمل ضمن خطة متكاملة لتوجيه السياحة والترويج لها داخل الوطن العربي لتشجيع المواطنين العرب على تنمية السياحة العربية وتؤدي بالتالي الى خلق التشابك والتفاعل المطلوبين بين المواطنين العرب, وتكون قادرة على تلبية احتياجات النقل السياحي المتطور الذي يحاكي الشركات الكبرى في العالم, وتساهم فيها الحكومات ومؤسسات الاستثمار العربية الكبرى وشركات النقل السياحي العربية والمستثمرون العرب. ويشير سامي فايد الى ان الاتحاد العربي للنقل البري ولتفعيل السياحة العربية يتبنى ثلاثة مشاريع تستحق أن تأخذ طريقها الى التنفيذ في أقرب وقت ممكن: ــ إيجاد معهد عربي متخصص على مستوى الوطن العربي تساهم فيه الحكومات ومؤسسات التمويل العربية والمستثمرون العرب لاعداد الكوادر الفنية والادارية العاملة في قطاع السياحة لخدمة صناعة السياحة العربية والنهوض بها والتي ستؤدي الى دعم الاقتصاد والعمل العربي المشترك. ــ اعداد دليل وخارطة سياحية على المستوى العربي لخدمة السائح العربي على ان يتضمن هذا الدليل جميع المواقع السياحية والتاريخية التي تهم السائح العربي. ــ إقامة شركات سياحية عربية مشتركة بين الشركات القطرية الكبرى, ويبذل الاتحاد العربي للنقل البري جهدا في هذا الإطار وبصفة خاصة ان الاتحاد يضم في عضويته شركات نقل سياحية مارست وتمارس النقل السياحي منذ فترة طويلة وقادرة على الاسهام في دعم قطاع السياحة. القاهرة ــ صلاح الشرقاوي