حذرت اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية من أن صمود الاقتصاد العالمي أمام الأزمات المتلاحقة لا يعني تمتعه بحصانة دائمة ضد الصدمات، مؤكدة أن الحروب واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات التجارية وارتفاع الديون السيادية تضع الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي أمام اختبار بالغ الصعوبة، في وقت يفتح فيه الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة للنمو، لكنه يثير في المقابل مخاطر قد تعمق التفاوت بين الاقتصادات.
جاء التحذير في بيان رئيس الاجتماع الرابع والخمسين للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، الذي عُقد في العاصمة التايلاندية بانكوك، ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026، وسط تأكيدات بأن الاقتصاد العالمي تجاوز سلسلة من الصدمات بصورة أفضل من المتوقع، لكن عوامل الصمود التي ساعدته على تجاوز الأزمات بدأت تتآكل، ما يجعل استمرار قدرته على مواجهة الاضطرابات أمراً غير مضمون.
ورسم البيان صورة دقيقة لاقتصاد عالمي يقف عند مفترق طرق، حيث تتقاطع المخاطر الجيوسياسية مع التحولات التكنولوجية والضغوط المالية، لتشكل بيئة اقتصادية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ. وأكد أن الحروب والصراعات لا تزال تفرض أعباء إنسانية واقتصادية هائلة، بينما تؤدي اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات التجارية إلى زيادة حالة عدم اليقين والضغوط التضخمية، خصوصاً في الدول منخفضة الدخل والاقتصادات الهشة.
وحذر البيان من أن تصاعد النزاعات قد يؤدي إلى تعطيل طرق التجارة الحيوية، ورفع أسعار السلع الأساسية والمنتجات النفطية المكررة، وتفاقم أزمات أمن الطاقة والغذاء.
الديون السيادية
ووضع البيان ارتفاع مستويات الدين العام في صدارة التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، محذراً من أن صعود عوائد السندات السيادية في الاقتصادات الكبرى، بالتزامن مع زيادة احتياجات إعادة التمويل، قد يؤدي إلى تضخيم المخاطر المالية وانتقال الاضطرابات بين الأسواق.
ودعت اللجنة الحكومات إلى معالجة الاختلالات المالية بصورة عاجلة، من خلال اعتماد أطر مالية متوسطة الأجل تتمتع بالمصداقية، وضمان استدامة الدين العام، وإعادة بناء الاحتياطيات المالية اللازمة لمواجهة الصدمات المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة ألا تأتي إجراءات ضبط المالية العامة على حساب الفئات الأكثر هشاشة، أو الاستثمارات الحيوية التي تدعم الإنتاجية والنمو الاقتصادي. كما أكدت أهمية تطوير آليات إعادة هيكلة الديون السيادية، بما يجعلها أكثر سرعة وشفافية وانتظاماً، مع تعزيز مشاركة الدائنين من القطاعين العام والخاص.
وللمرة الأولى ضمن هذا السياق، منح البيان اهتماماً بارزاً لما وصفه بتقنيات «الذكاء المتقدم»، باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للتحولات الاقتصادية العالمية. وأوضح أن التطور السريع لهذه التقنيات أسهم في تنشيط الاستثمار والتجارة، ويمتلك القدرة على رفع الإنتاجية ودعم النمو، لكنه قد يخلق في المقابل اختلالات اقتصادية ومالية جديدة، خصوصاً إذا تركزت مكاسب التكنولوجيا في عدد محدود من الدول والشركات. وحذرت اللجنة من أن عدم اليقين بشأن التأثيرات الاقتصادية والمالية لهذه التقنيات قد يزيد هشاشة النظام المالي العالمي.
ودعت إلى تبني إصلاحات تشجع النمو بقيادة القطاع الخاص، والاستفادة من التحول الرقمي والذكاء المتقدم، مع إدارة المخاطر المرتبطة بهما وضمان توزيع أكثر اتساعاً للمكاسب الاقتصادية.
استقلال البنوك المركزية
وجدد البيان التأكيد على أهمية استقلال البنوك المركزية في مواجهة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، مشدداً على أن القرارات النقدية يجب أن تستند إلى البيانات الاقتصادية وأن تُتخذ بصورة واضحة وشفافة.
واعتبر أن استقلال السلطات النقدية يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على مصداقية السياسات الاقتصادية وترسيخ توقعات التضخم. كما دعا إلى مراقبة المخاطر المالية وتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية، في ظل بيئة تتسم بارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد الترابط بين الأسواق المالية العالمية.
أمن الطاقة وحرية الملاحة
وفي رسالة تعكس حجم القلق من الاضطرابات الجيوسياسية، شددت اللجنة على أن ضمان تدفقات الطاقة بصورة آمنة ومرنة، واحترام مبدأ حرية الملاحة، يمثلان عنصرين أساسيين للاستقرار الاقتصادي العالمي.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق التجارة الدولية، وما تفرضه من ضغوط على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة والغذاء.
كما دعا البيان إلى تقليل الاختلالات الاقتصادية العالمية المفرطة، وتجنب السياسات التي تشوه التجارة والمنافسة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، بما يدعم اقتصاداً عالمياً أكثر انفتاحاً وعدالة.
«مخطط بانكوك»
ورحب البيان بما أطلق عليه «مخطط بانكوك»، الذي يستهدف تعزيز الضمانات المرتبطة بالتمويل الرقمي، ورفع القدرة على مواجهة الهجمات السيبرانية، وتوسيع التعاون الدولي لمكافحة الاحتيال الرقمي.
وتعكس هذه المبادرة إدراكاً متزايداً للمخاطر التي ترافق التوسع في الخدمات المالية الرقمية، والحاجة إلى تطوير الأطر التنظيمية والرقابية بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وأكدت اللجنة ضرورة زيادة الدعم المقدم للدول منخفضة الدخل والاقتصادات متوسطة الدخل المعرضة للمخاطر، ولا سيما الدول المتأثرة بالنزاعات والصراعات. ودعت إلى تسريع تنفيذ المبادرات المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمساعدة الدول التي تتمتع بأوضاع دين قابلة للاستدامة وبرامج إصلاح جادة، لكنها تواجه تحديات تمويلية قصيرة الأجل. كما جددت دعمها لصندوق النمو والحد من الفقر، وتحسين آليات معالجة الديون وتعزيز الشفافية، بما يساعد الدول الضعيفة على استعادة الاستقرار الاقتصادي وتحقيق نمو أكثر استدامة.