إدوارد لوس
نادراً ما تقتصر التطورات التشريعية والاقتصادية في ولاية كاليفورنيا على حدودها الجغرافية؛ فإذا أقر ناخبو الولاية الشهر المقبل ضريبة ثروة جديدة تستهدف 246 مليارديراً يقطنون فيها، فقد يغادر بعضهم إلى ولايات أخرى مثل تكساس أو فلوريدا.
إلا أن هذه الفكرة، المعروفة باسم «المقترح 40»، التي تنص على فرض ضريبة استثنائية بنسبة 5 % على الثروات التي تتجاوز مليار دولار، قد تصبح نموذجاً يمتد إلى بقية الولايات. وسيتأثر مستقبل الاقتصاد الأمريكي تأثراً عميقاً أياً كانت النتيجة. إذ تكمن الفكرة فيما إذا كان صعود الفئة الأكثر ثراءً في أمريكا بلا عوائق خلال الجيل الماضي سيستمر. بالتالي، فإن الهدف الحقيقي من هذه الضريبة سياسي بالدرجة الأولى.
ومن الناحية المالية، يعاني «المقترح 40» من خلل واضح في التصميم؛ فالضرائب الاستثنائية التي تفرض لمرة واحدة تشكل عبئاً ومصدر إزعاج للمحاسبين. كما أن تخصيص معظم عوائدها المتوقعة، البالغة نحو 100 مليار دولار، لصالح قطاع الرعاية الصحية، يحد هامش المناورة المالي لولاية كاليفورنيا.
وكان يجدر بأي مسعى للتحول الضريبي الحقيقي أن يقترح حداً أدنى للضريبة على من تتجاوز صافي أصولهم مستويات محددة، 100 مليون دولار مثلاً، لأن هذا سيغير توزيع الأعباء بشكل دائم، ويمنح المشرعين في كاليفورنيا سلطة تحديد أوجه الإنفاق، إلا أن المقترح فشل في تحقيق كلا الأمرين. رغم ذلك، فإن صياغة الإطار المضاد لـ «المقترح 40» تتسم بالذكاء الشديد.
تاريخياً، بدأت موجة المعارضة الشعبية للضرائب في أمريكا من كاليفورنيا عام 1978، مع إقرار «المقترح 13» الذي فرض سقفاً صارماً على الضرائب العقارية. وسرعان ما انتشر هذا التوجه إلى بقية الولايات عقب فوز رونالد ريجان، حاكم كاليفورنيا السابق، بالرئاسة بعد عامين. واليوم، يهدف «المقترح 40» إلى القيام بالعكس، أي فرض ضرائب على الثروات الطائلة. ومن هذا المنطلق، فإن تصويت المواطنين بالرفض أو القبول قد يحمل أهمية حاسمة لمستقبل الاقتصاد.
إلا أن المليارديرات المعارضين للمقترح في كاليفورنيا، وفي مقدمتهم سيرجي برين، الشريك المؤسس لشركة «جوجل»، يروجون لتشبيه هدف «المقترح 40» بالنظام السوفييتي الذي فرت منه عائلة سيرجي في سبعينيات القرن الماضي. وبدعم من بيتر ثيل، الذي يعد من أبرز دعاة الليبرالية نفوذاً في أمريكا، ضخ برين أكثر من 100 مليون دولار من أمواله لإفشال المقترح.
كما دفع الأثرياء بمبادرة مضادة تعرف بـ «المقترح 42»، تنص على حظر فرض أي ضرائب جديدة على الأصول الشخصية بخلاف العقارات. ونظراً لأن هذا الحظر، إن تم، سيكون دستورياً على مستوى الولاية، فإن إقراره سيغلق الباب تماماً أمام أي شكل من أشكال ضريبة الثروة. وبحكم طبيعة آليات الاستفتاء الشعبي المباشر، فقد يسفر الاقتراع عن إقرار المقترحين معاً («المقترح 40» و«المقترح 42»)، ما سيتسبب في إرباك قانوني وميداني واسع.
ويعود هذا المأزق إلى عاملين أساسيين؛ الأول هو معارضة غافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا الديمقراطي، لـ «المقترح 40»، وهو الرجل الذي يتصدر التوقعات لنيل ترشيح حزبه لانتخابات الرئاسة 2028. ويرى نيوسوم أن فرض الضريبة لن يكون مجدياً إلا إذا تم على المستوى الفيدرالي. وهي وجهة نظر لها مسوغاتها، لكنها تخدم أيضاً تطلعاته الانتخابية. فقد وعد كريس لارسن، الملياردير والشريك المؤسس لشركة تكنولوجيا البلوكشين «ريبل» وأحد أشد المعارضين للضريبة، بدعم نيوسوم بكل الوسائل المتاحة.
أما السبب الثاني، فيتمثل في حملة تضليل إعلامي تسعى لإقناع الرأي العام بأن الضريبة ستطال الجميع. وفي إعلان تجاري أذيع أخيراً، يصور مجسم «خنزير طروادة» يمتلئ ببيروقراطيين متجهمين، ينطلقون نحو أحياء الطبقة المتوسطة في كاليفورنيا، ليقتحموا منازل كبار السن والأطفال ويستولون على ممتلكاتهم البسيطة مثل الدراجات والشاشات وألواح التزلج. وتتسم هذه الرسالة بأسلوب غوغائي واضح؛ إذ لا يمكن خفض حد الثروة المشمولة بالضريبة في «المقترح 40» إلا بموافقة أغلبية الثلثين في برلمان ولاية كاليفورنيا وبما يتماشى مع روح القانون. والخلط بين المليارديرات وعامة المواطنين تزييف للحقائق. إلا أن هذه الحملة نجحت بالفعل في تقليص نسبة المؤيدين لـ «المقترح 40»، لتصبح النتيجة بين الفريقين متقاربة وصعبة الحسم.
وسيرجي برين ليس بالمستثمر الساذج؛ فرغم أن معدلات الضريبة على الدخل وأرباح رأس المال في سبعينيات القرن الماضي في أمريكا كانت تعادل ضعف مستوياتها الحالية تقريباً (والتي تقف اليوم دون 40 % و20 % على التوالي)، فإن تشبيهه للموقف بالنظام السوفييتي يحرك مخاوف الأثرياء الآخرين، الذين يخشون أن يكون «المقترح 40» مجرد بداية لمزيد من التضييق الضريبي. كما يدعي برين أن هذه الأموال سيبددها جهاز بيروقراطي غير كفء، وهي نقطة تتضمن قدراً من الصحة.
على أن موقف برين وثيل وغيرهما كان سيبدو أكثر إقناعاً لو كانوا يقدمون رؤية حقيقية للإصلاح الإداري والحكومي، بدلاً من السعي المباشر لتعطيل أدوار الدولة. إن مقولة قاضي المحكمة العليا الأمريكية أوليفر وندل هولمز جونيور قبل 100 عام، بأن «الضرائب هي الثمن الذي ندفعه لقاء العيش في مجتمع حضاري»، تظل حقيقة راسخة اليوم تماماً كما كانت في عصره. فالمستثمر والملياردير العقلاني يدرك تماماً قيمة الاستثمار في السلم الاجتماعي، بينما يقر الملياردير المستنير بفضل البحث العلمي الفيدرالي، والتعليم العام، ودور المصادفة في صناعة ثروته الهائلة.
ولكن، للأسف الشديد، يندر وجود هذه الفئة من كبار الأثرياء اليوم. وإذا تمكن برين وحلفاؤه من فرض رأيهم في الاستفتاء المقرر يوم الثالث من نوفمبر، فقد يتبين لاحقاً أنه انتصار حمل في طياته بذور خسارة أكبر.