تواجه لندن واحدة من أكبر موجات نزوح الثروات في تاريخها الحديث، بعدما كشفت بيانات حديثة أن أثرياء ومليارديرات خففوا ارتباطهم بالمملكة المتحدة أو غادروها خلال العامين الماضيين يمثلون ثروات تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 160 مليار دولار، ما يعادل قرابة 120 مليار جنيه إسترليني، في تحول يعيد رسم خريطة تمركز الثروات العالمية ويصب في مصلحة مراكز مالية منافسة، من بينها الإمارات وسويسرا وموناكو وإيطاليا.
وبحسب تحليل نشرته «بلومبرغ»، استناداً إلى بيانات «مؤشر بلومبرغ للمليارديرات»، فإن الرقم البالغ 160 مليار دولار يمثل إجمالي ثروات وأصول الأشخاص والعائلات المدرجين في المؤشر الذين غادروا بريطانيا أو خففوا بصورة كبيرة ارتباطهم بها خلال العامين الماضيين، وليس بالضرورة 160 مليار دولار من الأموال التي جرى تحويلها نقداً إلى خارج البلاد.
وتكتسب هذه الموجة أهمية خاصة بالنسبة إلى لندن، التي ظلت لعقود واحدة من أهم العواصم العالمية لاستقطاب المليارديرات وأصحاب الثروات الدولية، بفضل مكانتها كمركز مالي عالمي، وسوقها العقارية الفاخرة، وشبكة الخدمات المصرفية والقانونية وإدارة الثروات التي تتمتع بها.
عمالقة المال يغادرون
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بموجة المغادرة الملياردير وقطب صناعة الصلب لاكشمي ميتال، الذي تتجاوز ثروته 30 مليار جنيه استرليني وفق البيانات التي أوردتها صحيفة «ذا ناشيونال» استناداً إلى مؤشر بلومبرغ للمليارديرات. كما تشمل القائمة الملياردير المصري ناصف ساويرس، إلى جانب المستثمر شرافين بهارتي ميتال وعدد آخر من كبار أصحاب الثروات.
كما انضم إلى موجة المغادرة الملياردير ومدير صناديق التحوط كريس روكوس، مؤسس «Rokos Capital Management»، الذي كان ثالث أكبر دافع للضرائب في بريطانيا خلال 2025، بعدما دفع نحو 330 مليون جنيه إسترليني من الضرائب، قبل انتقال إقامته إلى اليونان.
وتشير التقارير إلى أن الإمارات وموناكو وسويسرا وإيطاليا واليونان برزت بين الوجهات المستفيدة من تحركات أصحاب الثروات، مستفيدة من أنظمة ضريبية وإقامة أكثر جاذبية لبعض الأثرياء والمستثمرين الدوليين.
الضرائب في قلب التحول
ويأتي النزوح في أعقاب سلسلة تغييرات في البيئة الضريبية البريطانية، وفي مقدمتها إنهاء نظام الامتيازات المرتبط بوضع المقيمين غير المتوطنين ضريبياً «Non-Dom»، إلى جانب تغييرات مرتبطة بضرائب الميراث والأرباح الرأسمالية واستثمارات الملكية الخاصة.
ويربط منتقدو السياسة الضريبية البريطانية بين هذه الإجراءات وتسارع انتقال أصحاب الثروات، بينما تنظر الحكومة إلى الإصلاحات في سياق جعل النظام الضريبي أكثر عدالة وزيادة الإيرادات العامة. وبالتالي، فإن نسبة الهجرة التي يمكن إرجاعها مباشرة إلى تغيير ضريبي بعينه تظل موضع نقاش، حتى مع وضوح الاتجاه العام لخروج عدد من كبار الأثرياء.
وتكشف الأرقام حجم التحدي؛ إذ تشير بيانات «New World Wealth» إلى أن عدد المليارديرات المقيمين في المملكة المتحدة تراجع من 102 ملياردير في 2020 إلى 55 مليارديراً في 2026، فيما تتوقع المؤسسة أن تسجل بريطانيا صافي خروج يقارب 11 ألف شخص من أصحاب الثروات المرتفعة خلال 2026. وإذا تحقق التقدير، فإن صافي عدد الأثرياء الذين غادروا البلاد منذ 2020 سيزيد على 45 ألف شخص، بما يعادل نحو 8% من إجمالي أصحاب الثروات المرتفعة في المملكة المتحدة.
دبي والإمارات ضمن المستفيدين
اللافت أن جانباً من الثروات التي تعيد النظر في وجودها البريطاني يتجه نحو مراكز مالية أخرى، وفي مقدمتها الإمارات، التي تكررت في التقارير الدولية كإحدى الوجهات الرئيسية للمليارديرات وأصحاب رؤوس الأموال المغادرين لبريطانيا. وتشير بيانات «New World Wealth» إلى أن القسم الأكبر من المليارديرات الذين غادروا المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة توجه إلى موناكو وإيطاليا والإمارات وسويسرا.
وكانت تقارير سابقة قد وضعت دبي ضمن أبرز المدن المستقبلة للأثرياء المغادرين للمملكة المتحدة، إلى جانب باريس وأمستردام وموناكو وجنيف وسنغافورة وسيدني.