من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبين، إلى قادة من مختلف دول العالم، إلى اقتصاديين كبار ولامعين أمثال وارن بافيت، وكريستين لاغارد، إلى رؤساء أكبر الشركات العالمية في مختلف المجالات، تتجه شبكة «كونكورديا» الأمريكية والعالمية إلى دبي في مايو من العام المقبل في خطوة تعبر عما وصلت إلى الإمارات بشكل عام، ودبي على وجه الخصوص، من مكانة متفردة تجعل كبرى المنظمات العالمية تفضل الدولة لأهم اجتماعاتها السنوية.

فحين انطلقت «كونكورديا» في نيويورك عام 2011، كان السؤال الذي يقف خلف تأسيسها بسيطاً في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في مضمونه: هل تستطيع الحكومات وحدها مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتجاوز الحدود؟ أم أن العالم يحتاج إلى نموذج جديد يجلس فيه المسؤول الحكومي والمستثمر والرئيس التنفيذي ورائد الأعمال والمؤسسة غير الربحية على الطاولة نفسها؟.

وبعد نحو 16 عاماً من التأسيس، يبدو أن المنظمة الأمريكية غير الربحية بنت حول هذا السؤال شبكة دولية واسعة، واستقطبت إلى منصاتها رؤساء دول وحكومات وقادة مؤسسات دولية ورؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات، لتتحول قممها إلى ملتقى يربط بين السياسة والاقتصاد ورأس المال والعمل التنموي.

وفي مايو 2027، تفتح المنظمة فصلاً جديداً من تاريخها عندما تستضيف دبي «قمة كونكورديا هورايزون» للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط، تحت رعاية سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، وبالتعاون مع دائرة المالية في حكومة دبي.

الفكرة ولدت قبل التأسيس

تعود جذور «كونكورديا» إلى لقاء مؤسسيها ماثيو سويفت ونيكولاس لوغوثيتيس عام 2007، قبل أن يبدأ الاثنان في 2010، مع اقتراب الذكرى العاشرة لهجمات 11 سبتمبر، البحث في قدرة الشراكات بين القطاعين العام والخاص على مواجهة التحديات العالمية.

وفي 2011، تحولت الفكرة إلى مؤسسة وقمة فعلية في نيويورك، ركزت نسختها الأولى على التطرف وكيف يمكن للتعاون بين قطاعات المجتمع المختلفة تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود. وتعرّف «كونكورديا» نفسها اليوم بأنها منظمة أمريكية مسجلة غير ربحية، تأسست على يد سويفت ولوغوثيتيس وتتخذ من نيويورك مقراً لها.

لكن الفكرة سرعان ما تجاوزت القضية التي انطلقت منها؛ فالمنظمة تبنت فلسفة أوسع تقوم على أن الأزمات العالمية المعقدة لا يمكن حلها داخل «جزر منفصلة»، وأن جمع الحكومات والشركات والمجتمع المدني والمستثمرين يمكن أن يحول الحوار إلى شراكات وحلول قابلة للتوسع. ومن هنا أصبح دور «كونكورديا» أقرب إلى بناء الجسور: فهي لا تقول إنها تملك الحلول بنفسها، بل تسعى إلى إيجاد البيئة التي تسمح بولادتها عبر وضع أصحاب القرار والتمويل والخبرة على طاولة واحدة.

منصة واحدة

ولعل قائمة الشخصيات التي مرت عبر منصات «كونكورديا» تكشف بصورة أوضح حجم الشبكة التي بنتها المنظمة. فالقائمة التاريخية للمتحدثين تضم الرئيس الأمريكي جو بايدن، والرئيسين الأمريكيين السابقين جورج دبليو بوش وبيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والرئيس الرواندي بول كاغامي، والرئيسة السابقة للمصرف المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بصفتها الحالية رئيسة للبنك المركزي الأوروبي، إلى جانب عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين الدوليين.

وعلى الجانب الاقتصادي، تظهر أسماء مثل المستثمر الأمريكي وارن بافيت، ورؤساء تنفيذيين حاليين أو سابقين لشركات عالمية كبرى مثل «وول مارت» و«أوراكل» و«أوبر» و«إنتل» و«يونيليفر» و«بي بي»، ما يوضح طبيعة النموذج الذي تحاول المنظمة بناءه: مزج السلطة السياسية برأس المال والخبرة التنفيذية داخل فضاء واحد.

وفي قمة 2024 وحدها، شارك أكثر من 3600 شخص من 112 دولة، إلى جانب أكثر من 300 متحدث من 49 دولة، بينهم تسعة رؤساء دول في مناصبهم، وشهدت القمة 106 جلسات رئيسية بمشاركة 58 منظمة شريكة. هذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت «كونكورديا» أكثر من مجرد مؤتمر أمريكي سنوي.

نيويورك والأمم المتحدة

واستفادت «كونكورديا» من عنصر جغرافي وزمني شديد الأهمية؛ فقمتها الرئيسية تعقد في نيويورك بالتوازي مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين تتحول المدينة إلى أكبر تجمع سنوي تقريباً لقادة العالم والدبلوماسيين ورؤساء المؤسسات الدولية. وبذلك تستطيع المنظمة جمع عالمين في مساحة واحدة: الدبلوماسية الرسمية التي تدور حول الأمم المتحدة، والقطاع الخاص الذي يبحث عن الاستثمار والشراكات والفرص الاقتصادية.

وتصف المنظمة قمتها السنوية بأنها تجمع غير حزبي يربط القطاع العام والخاص والمؤسسات غير الربحية، مع التركيز بصورة خاصة على الشراكات العملية بين هذه الأطراف.

مليار دولار من منصة واحدة

لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى أي مؤتمر دولي يبقى: ماذا يحدث بعد انتهاء الكلمات والجلسات؟. هنا تحاول «كونكورديا» تقديم نفسها باعتبارها منصة تتجاوز النقاش إلى المبادرات. ففي قمتها السنوية عام 2024، أعلنت منظمة «African Parks» مبادرة بقيمة مليار دولار لتوسيع جهود حماية الطبيعة في أفريقيا حتى نهاية العقد، مع التزام بإدارة 30 من أهم المناطق المحمية في القارة، وتطوير جيل جديد من القيادات الأفريقية المتخصصة في إدارة المناطق المحمية.

كما ارتبطت منصات المنظمة بمبادرة «Prosper Africa»، وهي إطار تمويلي يستهدف تعبئة أكثر من 800 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة لمشروعات البنية التحتية والتكيف المناخي في أفريقيا، فضلاً عن مبادرات أخرى في ريادة الأعمال والرعاية الصحية، بينها تعاون Abbott Laboratories وSeed Global Health لإنشاء مركز للتميز في صحة الأمومة في ملاوي. وتكشف هذه النماذج عن الجانب الأكثر أهمية في فلسفة المنظمة: استخدام المؤتمر كنقطة بداية وليس كنقطة نهاية.

دبي بوابة كونكورديا إلى المنطقة

من هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة اختيار دبي لاستضافة أول قمة لـ«كونكورديا هورايزون» في الشرق الأوسط. فالإعلان عن الاستضافة جاء خلال القمة السنوية للمنظمة في نيويورك في سبتمبر 2026، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن تقام قمة دبي في مايو 2027 بالتعاون مع دائرة المالية في حكومة دبي.

والقمة لن تكون مجرد نسخة جغرافية من مؤتمر نيويورك؛ إذ تستهدف جمع القيادات الحكومية ورؤساء الشركات وصناع القرار لمناقشة التحديات العالمية ومجالات التعاون وتسريع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

كما تشير المعلومات المنشورة إلى أن الحدث يرتبط بتوقعات بإعلانات ومبادرات اقتصادية وتنموية وشراكات جديدة، مع السعي إلى تحويل المناقشات إلى فرص استثمارية ومشاريع تعاون في الشرق الأوسط.

وبالنسبة إلى «كونكورديا»، تمثل دبي أيضاً فرصة استراتيجية. فالمنظمة بدأت توسعها الدولي بصورة واضحة في 2016 عندما نظمت أول قمة إقليمية لها في بوغوتا بكولومبيا، ثم وسعت شبكة مؤتمراتها وفعالياتها إلى مناطق مختلفة من العالم. والآن تصل سلسلة «هورايزون» للمرة الأولى إلى الشرق الأوسط.

وقال رودني فيرغسون، الرئيس التنفيذي لـ«كونكورديا»، إن المنظمة ترى توافقاً واضحاً بين موقع دبي باعتبارها ملتقى عالمياً للابتكار والاستثمار والنمو الاقتصادي، وبين قدرة «كونكورديا» على جمع أصوات من قطاعات متعددة في المكان نفسه. وهذه النقطة مهمة؛ فدبي لا تمنح المنظمة مدينة جديدة لاستضافة مؤتمرها فحسب، وإنما تفتح الباب إلى اقتصادات الخليج وأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

وفي المقابل، تحصل دبي على نافذة مباشرة إلى شبكة تضم شخصيات سياسية واقتصادية واستثمارية بنتها «كونكورديا» على مدى أكثر من عقد ونصف.

فحين انعقدت القمة الأولى لـ«كونكورديا» عام 2011، ربما كان من الصعب تصور أن المنظمة التي بدأت بمناقشة التطرف والشراكات العابرة للقطاعات ستصل بعد 16 عاماً إلى الشرق الأوسط عبر واحدة من أكثر مدنه اتصالاً بالاقتصاد العالمي.

لكن الرحلة من نيويورك إلى دبي تلخص إلى حد بعيد التحول الذي شهدته المنظمة نفسها: من مؤتمر يناقش قضية دولية إلى شبكة تسعى إلى ربط الحكومات برأس المال والشركات بالمؤسسات الدولية والمستثمرين بالمشروعات.