في انتخابات تتصدرها الفضائح والاستقطاب والجريمة، يتراجع الملف الاقتصادي عن واجهة الخطاب السياسي رغم أنه قد يكون العامل الأكثر حسماً في تحديد مستقبل البرازيل والرئيس المقبل.

بينما اصطف اليوم ملايين البرازيليين أمام صناديق الاقتراع لاختيار رئيسهم المقبل، بدا الاقتصاد أشبه بـ«الجنرال الغائب» في معركة انتخابية كان يفترض أن يحتل فيها موقع القيادة، فالبرازيل تدخل استحقاقاً حاسماً وسط تحديات مالية ونمو اقتصادي يتباطأ وتكاليف معيشة تضغط على الأسر، لكن الحملة الانتخابية انشغلت بدرجة أكبر بالاستقطاب السياسي، وقضايا الفساد والجريمة، ومستقبل عائلة بولسونارو، والعلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة.

المفارقة أن الاقتصاد قد يكون في النهاية العامل الذي يحسم المعركة، حتى إذا لم يكن الموضوع الأكثر حضوراً في المناظرات والخطابات.

فالرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يخوض محاولة للفوز بولاية رابعة، مستنداً إلى سجل يتضمن انخفاض البطالة وتراجع عدم المساواة وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، لكنه يواجه في الوقت نفسه سؤالاً أكثر صعوبة: هل تستطيع البرازيل مواصلة الإنفاق الاجتماعي ودعم الأسر في ظل ارتفاع الدين العام وتباطؤ النمو؟

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الدين العام تجاوز 82% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خفضت الحكومة توقعاتها للنمو إلى نحو 2% خلال العام الحالي و2.3% العام المقبل. وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة أزمة مالية وشيكة، لكنها تضع المالية العامة في صدارة الملفات التي سيكون على الرئيس المقبل التعامل معها.

اقتصاد حاضر في حياة الناخب

ربما لا يحتاج الاقتصاد إلى حضور قوي في الحملات الانتخابية حتى يكون حاضراً في حياة الناخبين.

ارتفاع تكاليف المعيشة، تراكم ديون الأسر، أسعار الخدمات والسلع، مستوى الدخل وفرص العمل، كلها قضايا يومية يصعب فصلها عن قرار التصويت.

وهذا تحديداً ما يجعل غياب النقاش الاقتصادي التفصيلي لافتاً، فالناخب البرازيلي لا يحتاج إلى قراءة تقارير المؤسسات المالية ليدرك أن الأسعار تؤثر في ميزانيته، أو أن الديون تثقل كاهل الأسر، أو أن استمرار الإنفاق الحكومي يثير تساؤلات حول مستقبل المالية العامة،

لكن المعركة الانتخابية دفعت هذه الأسئلة إلى الخلف، وحل محلها صراع سياسي أكثر حدة.

لولا يقدم نفسه باعتباره رجل الخبرة والاستقرار والسياسات الاجتماعية، فيما يحاول فلافيو بولسونارو تحويل الانتخابات إلى تصويت على التغيير وإنهاء ما يصفه منتقدو اليمين بسياسات الحكومة الحالية.

وبين الخطابين، لم يحصل الناخب على مساحة كافية لمناقشة السؤال الأكثر أهمية: كيف ستدير البرازيل اقتصادها خلال السنوات المقبلة؟

معضلة لولا.. الإنفاق مقابل الاستدامة

تتمثل إحدى أكبر نقاط الضعف في معسكر لولا في أن الإنجازات الاجتماعية نفسها التي تمنحه شعبية يمكن أن تتحول إلى عبء مالي إذا لم تترافق مع قدرة مستدامة على تمويلها.

لقد وسعت الحكومة برامج الدعم والرعاية الاجتماعية، كما طرحت خطة لتخفيف أعباء الديون عن الأسر. وهذه السياسات تمنح لولا رصيداً انتخابياً مهماً لدى الفئات الأقل دخلاً، خصوصاً في المناطق التي تشكل فيها برامج الدعم جزءاً مهماً من شبكة الأمان الاجتماعي.

لكن الاقتصاد لا يقيس السياسة الاجتماعية فقط بعدد المستفيدين منها، وإنما يسأل أيضاً عن تكلفة تمويلها، ومصادر الإيرادات، وتأثير الإنفاق في الدين العام، وقدرة الدولة على الحفاظ على ثقة المستثمرين.

وهنا تواجه حكومة لولا معادلة صعبة:

كيف تحافظ على الإنفاق الاجتماعي الذي يمثل جزءاً أساسياً من هويتها السياسية، وفي الوقت نفسه تمنع الدين من التحول إلى قيد على النمو والاستثمار؟

هذه المعضلة لا يمكن حلها بخطاب انتخابي، ولا يمكن تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات إلى أجل غير مسمى.

النمو وحده لا يحسم الانتخابات

النمو المتوقع عند مستويات تقترب من 2% لا يعني أن الاقتصاد البرازيلي في حالة ركود، لكنه يشير إلى أن مرحلة النمو القوي ليست مضمونة.

والبرازيل تحتاج إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة إذا أرادت تحسين مستويات المعيشة وخلق وظائف ذات إنتاجية مرتفعة وزيادة الإيرادات الحكومية من دون اللجوء بصورة متكررة إلى مزيد من الاقتراض، وهنا تظهر قضية الاستثمار، فالبرازيل تمتلك قاعدة صناعية وزراعية ومعدنية ضخمة، كما تتمتع بموقع مهم في سلاسل إمداد الغذاء والطاقة والمعادن الحيوية، لكنها تحتاج إلى بيئة استثمارية أكثر قدرة على تحويل هذه المزايا إلى نمو طويل الأجل.

والرئيس المقبل سيواجه بالتالي سؤالاً يتجاوز الانتخابات الحالية:

هل تستطيع البرازيل الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب المحلي والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاجية والاستثمار والتكنولوجيا والتصدير ذي القيمة المضافة؟

هذا هو النقاش الاقتصادي الذي غاب نسبياً عن الحملة.

تكلفة المعيشة.. الورقة التي قد تقلب المعادلة

ربما يكون الاقتصاد أكثر حضوراً في الانتخابات مما توحي به خطابات المرشحين، فالناخب الذي يواجه ارتفاع تكلفة المعيشة لا يصوت وفق مؤشرات الدين والناتج المحلي الإجمالي وحدها، إنه يقيس الاقتصاد من خلال قدرته على شراء الغذاء، ودفع الإيجار، وسداد القروض، والحصول على وظيفة مستقرة، وتوفير مستقبل أفضل لأسرته.

وهنا يمتلك لولا سلاحاً قوياً يتمثل في انخفاض البطالة وتحسن بعض المؤشرات الاجتماعية.

لكن فلافيو بولسونارو يمتلك في المقابل ورقة لا تقل أهمية: المخاوف من تكلفة المعيشة والإنفاق الحكومي والاتجاه المالي للدولة.

إذا نجح فلافيو في إقناع الناخب بأن المشكلة الأساسية ليست في مستوى الدعم الاجتماعي وإنما في طريقة تمويله، فقد يتحول الاقتصاد إلى أداة قوية في مواجهة لولا.

أما إذا ظل الناخب أكثر اهتماماً بمكاسب الوظائف والدعم الاجتماعي، فسيحتفظ الرئيس بميزة مهمة.

الاقتصاد في مواجهة الجريمة والسياسة

من اللافت أن الجريمة أصبحت من الملفات الرئيسية في الانتخابات، إلى جانب الفساد والعلاقة مع الولايات المتحدة.

لكن هذه الملفات نفسها لها جانب اقتصادي، فالجريمة المنظمة لا تمثل مشكلة أمنية فقط؛ إنها ترفع تكلفة ممارسة الأعمال، وتؤثر في الاستثمار، وتخلق اقتصاداً غير رسمي واسعاً، وتفرض تكاليف إضافية على الشركات والأسر والدولة.

كما أن الفساد لا يتعلق فقط بالثقة السياسية، بل يرتبط بكفاءة الإنفاق العام، وتكلفة المشروعات، وبيئة الاستثمار.

أما العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، فتؤثر مباشرة في صادرات البرازيل وسلاسل الإمداد والاستثمار الأجنبي، خصوصاً مع تصاعد المنافسة العالمية على المعادن الحيوية والموارد الطبيعية.

ولهذا فإن الملفات التي تبدو سياسية أو أمنية في الحملة الانتخابية لها في جوهرها امتدادات اقتصادية عميقة.

اقتصاد مختلف أم خطاب مختلف؟

يحاول فلافيو تقديم نفسه باعتباره خياراً بديلاً، مستفيداً من القاعدة اليمينية التي أسسها والده جايير بولسونارو.

لكن السؤال الاقتصادي سيكون أكثر تعقيداً بالنسبة إليه.

فالأسواق لن تكتفي بمعرفة ما إذا كان فلافيو سيخفض الإنفاق أو يتبنى سياسات أكثر قرباً من القطاع الخاص، بل ستحتاج إلى معرفة تفاصيل برنامجه: كيف سيخفض العجز؟ كيف سيتعامل مع الدين؟ ما موقفه من الدعم الاجتماعي؟ كيف سيحفز الاستثمار؟ وما الذي سيفعله لرفع الإنتاجية والنمو؟

كما أن علاقته القوية بواشنطن قد توفر فرصاً تجارية واستثمارية، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل السياسة الخارجية جزءاً من حسابات المستثمرين إذا ارتفعت حدة التوترات التجارية أو تغيرت أولويات الولايات المتحدة.

ومن ثم فإن فلافيو يحتاج إلى تحويل شعار «التغيير» إلى برنامج اقتصادي قابل للتنفيذ.

الأسواق تراقب من بعيد

بالنسبة للأسواق، لا تكمن المسألة فقط في اسم الرئيس المقبل.

المستثمرون سيراقبون ثلاثة أشياء رئيسية: المالية العامة، وسعر الصرف، وشكل الكونغرس.

فحتى إذا فاز لولا أو فلافيو، فإن قدرته على تنفيذ برنامجه ستعتمد بدرجة كبيرة على تركيبة مجلس النواب ومجلس الشيوخ، خصوصاً أن البرازيليين ينتخبون في هذه الدورة أعضاء مجلس النواب بالكامل وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.

وقد يكون البرلمان عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان الرئيس المقبل سيتمكن من تمرير إصلاحات مالية أو اقتصادية واسعة، أو سيضطر إلى إدارة ائتلافات سياسية معقدة.

ومن هنا، فإن نتيجة الانتخابات التشريعية قد تكون بالنسبة للمستثمرين أهم من بعض تفاصيل السباق الرئاسي نفسه.

لماذا عاد الاقتصاد إلى الصفوف الخلفية؟

السبب الأساسي هو طبيعة الانتخابات نفسها.

عندما يكون المجتمع شديد الاستقطاب، تصبح الانتخابات استفتاءً على هوية البلد واتجاهه السياسي أكثر من كونها منافسة بين برامج اقتصادية تفصيلية.

كما أن إرث جايير بولسونارو، وإدانته، ومسألة العفو عنه، والعلاقة مع ترامب، كلها قضايا توفر للمرشحين أدوات تعبئة انتخابية أكثر مباشرة من الحديث عن قواعد الإنفاق العام أو إصلاح النظام الضريبي.

لكن هذه الاستراتيجية قد تكون ناجحة انتخابياً على المدى القصير، في حين تترك الرئيس المقبل أمام فاتورة اقتصادية مؤجلة، وهنا تكمن المفارقة.

الاقتصاد قد يكون أقل الملفات ظهوراً في الحملة، لكنه سيكون أول الملفات التي ستفرض نفسها على الرئيس بعد دخوله القصر الرئاسي.

المعركة الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتائج

سواء فاز لولا بولاية جديدة أو عاد اليمين إلى السلطة عبر فلافيو بولسونارو، فإن اليوم التالي للانتخابات سيكون أكثر صعوبة من يوم الاقتراع نفسه.

الرئيس المقبل سيرث اقتصاداً كبيراً يمتلك إمكانات هائلة، لكنه سيواجه في الوقت ذاته ديناً مرتفعاً، ونمواً أبطأ، وضغوطاً اجتماعية، وحاجة إلى زيادة الاستثمار والإنتاجية، وسيكون عليه الاختيار بين مسارين:

الأول: مواصلة توسيع الإنفاق والسياسات الاجتماعية مع البحث عن موارد جديدة لتمويلها،

والثاني: إعطاء الأولوية للانضباط المالي والإصلاحات والاستثمار، حتى لو فرض ذلك قرارات أقل شعبية على المدى القصير.

لكن الخيار الواقعي ربما يكون مزيجاً من الاثنين، فلا يمكن للبرازيل أن تتجاهل الفئات الأقل دخلاً، كما لا يمكنها تجاهل حسابات الدين والاستثمار والنمو.

الاقتصاد.. الجنرال الذي سيظهر بعد الانتخابات

قد يكون الاقتصاد اليوم «الجنرال الغائب» عن معركة لولا دا سيلفا، لكنه لن يبقى غائباً طويلاً، فبمجرد انتهاء الصراع الانتخابي، ستعود الأرقام إلى الواجهة: الدين، العجز، النمو، التضخم، الاستثمار، الإنتاجية، العملة، وأسعار الفائدة.

وسيكتشف الرئيس المقبل أن إدارة البرازيل لا تتم عبر الشعارات السياسية وحدها، وإنما عبر معادلة دقيقة بين مطالب الناخبين وقدرة الدولة على تمويلها، ولهذا فإن السؤال الأكبر في انتخابات 2026 ليس فقط: هل سيبقى لولا أم تعود عائلة بولسونارو؟

السؤال الاقتصادي الأعمق هو: أي رئيس يستطيع أن يمنح البرازيليين شيئاً أصعب من الفوز الانتخابي: نمواً مستداماً، ومالية عامة أكثر انضباطاً، وحماية اجتماعية قابلة للاستمرار؟

وهنا تحديداً قد يكون «الجنرال الغائب» هو من يقرر في النهاية من ينتصر في المعركة.