في خريف عام 1907، لم يكن لدى الولايات المتحدة الأمريكية بنك مركزي يمكنه ضخ السيولة عندما تجف منابع المال، ولا مؤسسة اتحادية لتأمين الودائع، ولا آلية حكومية متكاملة تستطيع إيقاف عدوى الذعر عندما يندفع المودعون نحو البنوك مطالبين بأموالهم. وعندما بدأت الثقة تتبخر في بورسة «وول ستريت»، برز رجل واحد ليلعب، بصورة غير رسمية، دور «البنك المركزي» لأكبر اقتصاد صاعد في العالم. ألا وهو: جون بيربونت مورغان، المعروف اختصاراً باسم «جيه. بي. مورغان».

كانت أزمة 1907 واحدة من أخطر الأزمات المالية الأمريكية قبل الكساد العظيم. ولم تقتصر آثارها على البنوك والأسواق، بل امتدت إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ تشير بيانات تاريخ الاحتياطي الفيدرالي إلى تراجع الإنتاج الصناعي بنحو 17 % خلال 1908 وانخفاض الناتج القومي الحقيقي بنحو 12 %. لكن الأزمة صنعت أيضاً واحدة من أشهر القصص في تاريخ المال: قصة المصرفي الذي جمع كبار رجال «وول ستريت» وحشد أموالهم لمنع انهيار النظام المالي.

شرارة صغيرة تشعل «وول ستريت»

بدأت الشرارة في أكتوبر من عام 1907، عندما حاول المضاربان إف. أوغسطس هاينز، وتشارلز مورس، السيطرة على أسهم شركة «يونايتد كوبر»، لكن المحاولة فشلت وتكبد المضاربون خسائر ضخمة، وسرعان ما انتقلت الشكوك إلى المؤسسات المالية المرتبطة بهما.

وفي عالم يقوم على الثقة، كان مجرد الشك كافياً لإشعال الأزمة، فقد بدأ المودعون بسحب أموالهم، وانتقلت العدوى من بعض البنوك إلى شركات الائتمان التي كانت قد أصبحت لاعباً مهماً في النظام المالي، لكنها احتفظت باحتياطيات نقدية أقل كثيراً من البنوك الوطنية. وتشير بيانات الاحتياطي الفيدرالي التاريخية إلى أن الاحتياطيات لدى هذه الشركات كانت تقارب 5 % من الودائع، مقابل نحو 25% لدى البنوك الوطنية.

الانفجار الكبير

تعرضت شركة «نيكربوكر» الائتمانية لهجوم من المودعين بعدما أثيرت المخاوف بشأن صلات رئيسها تشارلز بارني بمورس. طُلبت مساعدة مورغان، فكلف بنيامين سترونغ بفحص دفاتر المؤسسة، لكن الفحص السريع لم يسمح بحسم قدرتها المالية، ولذلك امتنع مورغان عن إنقاذها. وفي 22 أكتوبر، وبعد سحب ما يقرب من 8 ملايين دولار، علقت المؤسسة عملياتها، وكانت تلك اللحظة بمثابة ما يمكن أن يطلق عليه «كسر السد».

فقد اصطف المودعون أمام المؤسسات المالية لاستعادة مدخراتهم، وانتقلت الأزمة إلى شركات ائتمان أخرى، خصوصاً «Trust Company of America». وفي سوق الأسهم أصبحت السيولة نادرة بصورة خطيرة.

وقفز سعر الفائدة السنوي على قروض «Call Money» قصيرة الأجل من 9.5% إلى 70% يوم إغلاق «نيكربوكر»، ثم وصل إلى 100% بعد يومين، بل كانت هناك أوقات لم يكن فيها المال متاحاً حتى بهذه التكلفة.

هنا تحول منزل ومكتبة مورغان إلى ما يشبه غرفة عمليات مالية. فقد كان الرجل، المولود عام 1837، قد بنى خلال العقود السابقة شبكة هائلة من العلاقات مع البنوك والسكك الحديدية والصناعة ورجال المال. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتدخل فيها وسط أزمة؛ ففي 1895 لعب دوراً بارزاً في ترتيب صفقة ذهب ساعدت الحكومة الأمريكية خلال أزمة احتياطياتها. لكن أزمة 1907 كانت مختلفة. هذه المرة لم يكن المطلوب إنقاذ مؤسسة واحدة، وإنما استعادة الثقة في نظام مالي بدأ يتفكك.

مورغان يجمع المال

وقد تحرك المصرفي لجمع رؤساء البنوك والمؤسسات المالية وكبار رجال الأعمال، وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها وصعبة في التنفيذ: المؤسسات التي لا تزال تمتلك سيولة يجب أن تضع جزءاً منها في خدمة النظام بأكمله قبل أن يسقط الجميع.

وحشد مورغان الأموال من المؤسسات المالية والصناعية، ثم جرى توجيه السيولة إلى سوق نيويورك لمساعدة الوسطاء على مواصلة الإقراض ومنع إغلاق البورصة. ويصف تاريخ الاحتياطي الفيدرالي هذه التحركات بأنها من الأسباب الرئيسية التي سمحت لبورصة نيويورك بالبقاء مفتوحة خلال أشد لحظات الأزمة.

ولم يكن مورغان يعمل وحده؛ فقد شاركت البنوك وغرفة مقاصة نيويورك ومؤسسات مالية أخرى في توفير السيولة وإصدار شهادات قروض، كما لعبت تدفقات الذهب من الخارج دوراً مهماً في عودة الاستقرار. لكن مورغان كان في قلب عملية التنسيق بين أصحاب الأموال.

وهنا ظهرت مفارقة تاريخية: أكبر اقتصاد صناعي صاعد في العالم كان يعتمد في لحظة الخطر على قدرة رجل أعمال خاص على إقناع مجموعة من المصرفيين بفتح خزائنهم.

ثمن إنقاذ النظام

وقد تفاقمت الأزمة عندما واجهت شركة الوساطة «مور آند شلي» ضغوطاً مالية بسبب امتلاكها كمية كبيرة من أسهم شركة «تينيسي» للفحم والحديد والسكك الحديدية، وكان انهيارها المحتمل يهدد بإشعال موجة جديدة من الخسائر. وظهرت صفقة تستطيع تخفيف الضغط: استحواذ «U.S. Steel» على الشركة.

لكن المشكلة أن شركة الصلب العملاقة كانت بالفعل قوة هائلة في السوق، وبالتالي أثارت الصفقة مخاوف مرتبطة بقوانين مكافحة الاحتكار. ومع ذلك، تمت الصفقة وسط الأزمة بعد اتصالات مع إدارة الرئيس ثيودور روزفلت، وكانت الأولوية في تلك اللحظة منع انهيار مالي أوسع. وتدريجياً بدأت الثقة تعود، لكن الأزمة كانت قد كشفت مشكلة أكبر بكثير من مصير مؤسسة أو مصرفي.

رجل واحد

كان السؤال الذي خرجت به الولايات المتحدة من الأزمة قاسياً: ماذا كان سيحدث لو لم يكن مورغان موجوداً؟

فالنظام المالي الأمريكي كان يعاني بالفعل نوبات ذعر مصرفي متكررة. وبين عامي 1863 و1913 شهد المركز المالي في نيويورك سلسلة من الأزمات المصرفية، وبعضها انتشر إلى بقية الولايات المتحدة.

وأظهرت أزمة 1907 أن الاعتماد على البنوك الخاصة ورجال المال لم يعد كافياً لإدارة اقتصاد أصبح واحداً من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة، بخلاف قوى اقتصادية كبرى أخرى، تفتقر إلى بنك مركزي يستطيع العمل كمقرض أخير للنظام المالي. ولذلك أصبحت الأزمة حافزاً لإعادة النظر جذرياً في البنية النقدية والمصرفية.

وفي مايو 1908 أقر الكونغرس قانون «ألدريتش-فريلاند»، الذي سمح بآليات للعملة الطارئة وأنشأ «اللجنة النقدية الوطنية» لدراسة إصلاح النظام. وبعد سنوات من الدراسات والنقاشات والمقترحات، وقع الرئيس وودرو ويلسون في 23 ديسمبر 1913 قانون الاحتياطي الفيدرالي، لتولد المؤسسة التي أصبحت البنك المركزي للولايات المتحدة.

إرث مورغان

وقد توفي جون بيربونت مورغان في مارس 1913، قبل أشهر فقط من توقيع قانون الاحتياطي الفيدرالي. وهكذا حملت قصته مفارقة لافتة: نجاح مصرفي خاص في المساعدة على احتواء أزمة مالية ضخمة كان في الوقت نفسه دليلاً على خطورة اعتماد دولة بأكملها على مصرفي خاص مهما بلغت ثروته ونفوذه.

لم يكن مورغان «البنك المركزي» رسمياً، ولم يكن وحده من أنهى أزمة 1907، فالاستجابة شملت شبكة واسعة من البنوك والمؤسسات وغرفة المقاصة وتدفقات الذهب. لكن قدرته على جمع كبار رجال المال وتوجيه السيولة إلى النقاط الأكثر خطورة جعلته الشخصية الأكثر ارتباطاً في الذاكرة الاقتصادية بتلك الأيام.

وبعد أكثر من قرن، تبدو أزمة 1907 وكأنها فصل مبكر من الأزمات المالية الحديثة. حتى الاحتياطي الفيدرالي يقارن بعض جوانبها بأزمة 2007-2009، خصوصاً انتقال العدوى من مؤسسات تعمل خارج شبكة الحماية التقليدية إلى قلب النظام المالي.

أما إرث مورغان، فلا يقتصر على إمبراطوريته المصرفية أو الصفقات الصناعية التي حملت بصمته. ربما كانت أهم لحظاته هي تلك التي أثبتت فيها قوته الشخصية حدود القوة الشخصية نفسها. فحين احتاج الاقتصاد الأمريكي إلى رجل واحد ليجمع المصرفيين ويبحث عن السيولة ويقرر أي المؤسسات تستحق الإنقاذ، أدرك صناع القرار أن النظام المالي الحديث يحتاج إلى مؤسسة دائمة تستطيع القيام بهذه المهمة.

ومن قلب ذعر 1907 بدأت الولايات المتحدة تتحرك نحو نظام جديد، انتهى بعد ست سنوات بميلاد الاحتياطي الفيدرالي. وبهذا المعنى، لم يكن مورغان مجرد مصرفي تدخل عندما اهتزت «وول ستريت»؛ بل كان أحد آخر الرموز لعصر كان فيه رجال المال أنفسهم يشكلون خط الدفاع الأخير عن النظام المالي، قبل أن تنتقل هذه المهمة تدريجياً إلى البنك المركزي ومؤسسات الدولة.