في أوقات الأزمات الاقتصادية، تتغير سلوكيات المستهلكين بطرق قد تبدو متناقضة، فبينما تتراجع مبيعات السلع الفاخرة والسيارات والسفر، يظهر نمط مختلف من الإنفاق: إقبال متزايد على المنتجات الصغيرة، مثل مستحضرات التجميل أو القهوة أو حتى الوجبات السريعة، هذا السلوك أطلق عليه الاقتصاديون مصطلح (Lipstick Index) "مؤشر أحمر الشفاه" وهو مفهوم يربط بين الإنفاق الاستهلاكي والتقلبات الاقتصادية.
من أين جاء المؤشر؟
ظهر المصطلح في أوائل الألفية، حين لاحظ ليونارد لاودر، رئيس شركة "إستي لودر"، أن مبيعات أحمر الشفاه ارتفعت بعد ركود عام 2001، رغم التراجع العام في الإنفاق، وقد فسّر ذلك بأن المستهلكين، في ظل الضغوط المالية، يتخلون عن المشتريات الكبيرة، لكنهم لا يتوقفون عن "مكافأة أنفسهم"، بل يستبدلونها بمنتجات أقل تكلفة، وقد أصبح هذا السلوك لاحقاً يُستخدم كمؤشر غير رسمي لقراءة مزاج المستهلك في فترات التباطؤ الاقتصادي، كما أشارت إليه تغطيات اقتصادية مثل صحيفة (Financial Times).
اقتصاد المشاعر… لماذا نشتري رغم الضغوط؟
يعكس هذا السلوك جانباً نفسياً مهماً في الاقتصاد، فالاستهلاك لا يرتبط فقط بالدخل، بل أيضاً بالحالة النفسية، وعندما يشعر الأفراد بعدم الاستقرار، يبحثون عن طرق بسيطة لتحسين مزاجهم دون تحمل أعباء مالية كبيرة.
وتدعم هذا الطرح دراسات في الاقتصاد السلوكي، من بينها أبحاث منشورة في (Journal of Retailing and Consumer Services)، والتي تناولت كيف تتغير قرارات المستهلكين خلال فترات الركود، مشيرة إلى أن الأفراد يعيدون ترتيب أولوياتهم ويتجهون نحو إنفاق تعويضي، كما ناقشت دراسات أخرى في المجلة نفسها مفهوم "الشراء بوصفه وسيلة للتكيف" أو (Retail Therapy)، حيث يُستخدم الاستهلاك كاستجابة نفسية للضغوط.
وفي السياق ذاته، تشير نظريات نفسية مثل Compensatory Control) Theory) إلى أن الأفراد يلجأون إلى سلوكيات استهلاكية بسيطة لاستعادة شعورهم بالسيطرة في أوقات عدم اليقين.
كما تشير أبحاث منشورة عبر الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) إلى أن الإنفاق قد يُستخدم كوسيلة للتكيف الاجتماعي والعاطفي، حيث يلجأ الأفراد إلى مشتريات صغيرة لتحسين حالتهم النفسية واستعادة التوازن.
هل لا يزال المؤشر صالحاً اليوم؟
رغم انتشار المفهوم، يرى خبراء أن "مؤشر أحمر الشفاه" لم يعد يقتصر على مستحضرات التجميل فقط، بل تطور ليشمل فئات أوسع من الإنفاق.
وتشير تقارير شركات استشارية مثل (McKinsey & Company) إلى أن سوق الجمال العالمي بلغ نحو 446 مليار دولار في 2023، مع نمو ملحوظ في فئات مثل العناية بالبشرة والعطور، وليس فقط المكياج.
ويعكس هذا التحول انتقال الفكرة من "أحمر الشفاه" تحديداً إلى مفهوم أوسع يُعرف بالرفاهيات الصغيرة.
ما الذي تخبرنا به المشتريات الصغيرة؟
"مؤشر أحمر الشفاه" لا يتعلق بأحمر الشفاه بحد ذاته، بل بما يمثله، فهو يعكس حقيقة أن الإنسان، حتى في أصعب الظروف، يبحث عن طرق للحفاظ على شعوره بالراحة والرضا.
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات والتغيرات، قد لا تكون المؤشرات الاقتصادية الكبرى وحدها كافية لفهم الواقع… أحياناً، تكفي نظرة إلى سلة مشتريات صغيرة، لفهم ما يشعر به الناس فعلاً.
