شهدت أسواق تداول النفط والمعادن والعملات الرئيسية والعملات الرقمية خلال الفترة المنقضية من العام 2026، حالة من التذبذب الواضح بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، ما خلق بيئة تتسم بتقلبات مرتفعة دون اتجاه واضح ومستدام، ليقع "الذهب الأسود" بين نار الجغرافيا السياسية وضغوط الاقتصاد العالمي.

وبحسب تحليلات مؤسسات مالية عالمية مثل جي بي مورغان وغولد مان ساكس، لم تعد الصدمات الجيوسياسية كافية وحدها لدفع الأسعار نحو موجات صعود طويلة الأمد، كما كان الحال في الأزمات السابقة.

تقلبات سعرية

ووفق بيانات الأسواق، سجلت أسعار النفط والذهب والدولار ارتفاعات سريعة مدفوعة بالأخبار والتوترات وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، تبعتها موجات تصحيح نتيجة جني الأرباح وقوة الدولار جراء إعلان الفيدرالي الأمريكي الشهر الماضي، تثبيت سعر الفائدة عند نطاق 3.5% - 3.75%، كرد فعل على التضخم وتزايد حالة عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية، مع ترقب الأسواق لخفض أو استمرار تثبيت الفائدة خلال اجتماع الفيدرالي في يونيو القادم.

ويستهدف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من قرار الفائدة خفض مستوى التضخم - ارتفاع الأسعار - بنسبة تصل إلى 2%. ويحقق تثبيت الفائدة مزيدا من تماسك الدولار فيما يشكل التضخم ارتفاعا في الطلب على السيولة وتراجع أسعار المعدن الأصفر.

وارتفع النفط إلى 120 دولارا في مارس بعد أيام من انطلاق الحرب في إيران، مقابل مستوى دون 80 دولارا قبيل الحرب، وشهد شهر مارس التذبذب بين 100 و120 دولارا للبرميل.

وبلغ سعر النفط الخميس الماضي 112 دولارا للبرميل، ما أعاد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم.

وأغلقت أمس الجمعة 3 أبريل القطاعات المالية الغربية كعطلة رسمية (الجمعة العظيمة)، حيث توقفت بورصتا نيويورك (NYSE) وناسدا (NASDAQ)، على أن تستأنف التداولات بشكل طبيعي يوم الاثنين المقبل.

وفي أسواق أوروبا (مثل مؤشر داكس الألماني وفوتسي البريطاني) تمتد العطلة لتشمل يوم الاثنين المقبل أيضاً، بسبب عيد القيامة (عيد الفصح)، مما يعني أن العودة للتداول ستكون يوم الثلاثاء 7 أبريل 2026، وكذلك بورصة هونغ كونغ.

وبعد ساعات من انطلاق الحرب في 28 فبراير، رفعت بنوك عالمية متعددة توقعاتها للأسعار فوق مستوى 100 دولار. ومع استمرار الحرب ودخولها الأسبوع السادس تأرجحت التقديرات بين 120 على 150 دولارا وفي حال تصاعد الأحداث ربما يصل النفط إلى 200 دولار.

 كما شهد الذهب موجة تصحيح افي مارس بعد ارتفاعات تاريخية في يناير، وصولاً إلى 5500 دولار للأونصة (31.1 غراما)، قبل أن تتراجع إلى 4560 بنحو إلى 16%، ليعاود التحرك بين مستويات 4600 و4900 دولار للأوقية.

وترتبط أسعار المعدن الأصفر بعوامل متعددة، في مقدمتها قوة الدولار والأحداث الجيوسياسية، إلا أن الأسواق تعيش حالة من الارتباك الشديد نتيجة تداخل تضارب التصريحات والتطورات الميدانية، وفق تحليلات السوق.

وأصدرت وزارة العمل الأمريكية الجمعة 3 أبريل 2026، تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مارس، والذي يعد أحد المحركات الرئيسية لتوقعات الفائدة في الفترة المقبلة، وسوف تظهر آثار هذا التقرير على حركة الأسواق الثلاثاء، بحسب توقعات مراقبين.

وتعود أهمية التقرير إلى أثره في اتجاه الفائدة الأمريكية وتماسك الدولار أمام العملات ويحريك الأسهم والذهب والسندات عالميا.

وقال تقرير العمل الأمريكية: حقق الاقتصاد الأمريكي نموا غير متوقع في الوظائف في شهر مارس الماضي. إن أكبر اقتصاد في العالم أضاف 178 ألف وظيفة في مارس بعد أن كان قد فقد 133 ألفا في فبراير، لينخفض معدل البطالة بمقدار 0.1 نقطة مئوية مسجلا 4.3 %.

وأشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهذه الأرقام واعتبرها نجاحا لسياساته الاقتصادية، وكتب على منصته تروث سوشال "خلقت سياساتي الاقتصادية محركا قويا للغاية للنمو الاقتصادي، ولا شيء يقدر على ابطائه".

السحب من الاحتياطيات

في مواجهة تصاعد المخاطر، برزت الشهر الماضي المخزونات الاستراتيجية كأداة محورية في إدارة الأزمات. فقد دعم الاتحاد الأوروبي، عبر الوكالة الدولية للطاقة ومقرها باريس، تنسيق عمليات سحب من الاحتياطيات النفطية بهدف تعزيز الإمدادات وطمأنة الأسواق.

وأكدت الوكالة أن السوق لا يعاني نقصًا فعليًا في الإمدادات، بل يواجه حالة من القلق المرتبط بالمخاطر المحتملة، مشددة على أن الاحتياطيات الاستراتيجية تمثل "خط الدفاع الأول" في مواجهة الصدمات.

ووافقت وكالة الطاقة الدولية على ضخ 400 مليون برميل من النفط من احتياطاتها، في أكبر خطوة من نوعها في تاريخها، في محاولة لكبح جماح أسعار النفط الخام التي ارتفعت بشكل حاد نتيجة اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب ​الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

وقالت الوكالة: "إن قرار السحب من المخزونات حظي بموافقة بالإجماع من الدول الأعضاء وعددها 32، وهو القرار السادس من نوعه ‌منذ تأسيسها في سبعينات القرن الماضي. ويهدف هذا الإجراء إلى منع المزيد من ارتفاع أسعار النفط، في ظل استمرار إيران بعرقلة وصول النفط من الشرق الأوسط إلى الأسواق".

وقد ساهم هذا التدخل في الحد من تقلبات الأسعار وكبح مسار الارتفاعات الحادة، كما لعب دوراً مؤقتا في تقليل تفاقم آثار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما خفف من تصاعد مخاوف السوق نسبيا ومؤقتا.

تضخم عالمي

وأدى ارتفاع أسعار النفط إلى خفض الأجور الحقيقية عالميا، حيث تتآكل القوة الشرائية بفعل التضخم. وبرزت هذه التأثيرات في زيادة الضغوط المعيشية وتراجع الاستهلاك مع تباطؤ النمو الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن الأسواق لم تشهد موجة صعود حادة ومستدامة، فإن ارتفاع أسعار النفط أحدث تأثيرات اقتصادية واسعة، شملت تراجع القوة الشرائية للأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وإعادة تشكيل خريطة الاستثمار العالمي بزيادة التوجه إلى قطاع الطاقة. ويبقى مستقبل الأسعار مرهونا بسيناريوهات أحداث الحرب في إيران.