كم مرة اليوم سألت الذكاء الاصطناعي أن يكتب لك، أو يلخص، أو يفكر نيابة عنك؟!
إن خلف كل دردشة تجريها مع نموذج ذكاء اصطناعي، يعمل جيش صامت من الخوادم بأقصى طاقته، فهذه الآلات لا تفكر بالمجان، لأن كل عملية حسابية تولد حرارة، وتلك الحرارة تحتاج إلى تبريد فوري وإلا أصيبت الأجهزة بالعطب، ويبقى الحل الأكثر شيوعاً حتى اليوم هو الماء الذي يرش في أبراج التبريد العملاقة ليتبخر حاملاً الحرارة إلى الغلاف الجوي.
إن هذا الماء لا يعود، لا إلى الأنهار ولا إلى الآبار الجوفية ولا إلى أي دورة مائية تخدم البشر، إنه يتبخر ببساطة، ولا يعود أبداً، وبلغة الأرقام، فإن الرقم الأكثر إيلاماً أن 78% من المياه التي تسحبها مراكز البيانات الكبرى كانت صالحة للشرب، فنحن لسنا أمام مياه مالحة أو صناعية، بل أمام ماء كان يمكن أن يصل إلى بيت عطِش أو أرض جدباء.
وقال طارق الحوسني مؤسس مجموعة زيروجرافيتي ورئيس مجلس الإدارة: «إن التكنولوجيا ليست هي المشكلة، بل هي أداتنا الوحيدة للنجاة والتطور والازدهار، لكن الذكاء الذي لا يدمج فيه منذ البداية منطق الاستدامة، ولنطلق عليه اليوم (الذكاء الأخضر)، قد يتحول من حل إلى تأجيل متعمد للأزمة، فالذكاء الأخضر ليس شعاراً، بل ضرورة وجودية، وشرط بقاء».
بالأرقام: نصف لتر ماء عذب، لكل حوار: تقدر دراسة للأستاذ شاولي رين من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، أن محادثة متوسطة بين 20 و50 سؤالاً مع نموذج ذكاء اصطناعي تستهلك قرابة 500 مليلتر من الماء، وهي زجاجة كاملة تتبخر في سبيل إجابة قد تُنسى بعد دقائق، أما تدريب نموذج واحد من الصفر فيحتاج إلى نحو 700.000 لتر في جلسة واحدة، فلنتخيل، وفي سياق مليار استفسار على الأقل يومياً، ـ هذا ما يعالجه نموذج ChatGPT وحده ـ وسندرك حجم الهدر الكبير للماء، هذا ما عدا أن شركة غوغل قد سحبت 37 مليار لتر من المياه عام 2024، وقد تبخر منها 29 ملياراً بشكل نهائي، كما تشير التقديرات إلى أنه بحلول 2027 سيستهلك قطاع الذكاء الاصطناعي ما يعادل 4 إلى 6 أضعاف استهلاك دولة الدنمارك بأكملها من المياه سنوياً، وذلك في الولايات المتحدة وحدها، ولا يتوقف الأثر عند الخوادم، بل أن تصنيع هاتف ذكي واحد يستهلك 12.670 لتراً من المياه، ومعاملة بيتكوين واحدة تستنزف 16.000 لتر من الماء التي تكفي لملء حوض سباحة صغير.
أخلاقيات الابتكار: إن هذا التنافس الصامت بين الخوارزميات والإنسان على الماء لا يظهر في الإعلانات، ولا يذكر في بيانات الأرباح، لكنه واقع حقيقي يتشكل بعيداً عن أعين المستخدمين، ويعلق طارق الحوسني مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي: «إن السؤال لم يعد: كيف نجعل الذكاء أسرع أو أقوى أو أذكى؟! لا، وإنما كيف نجعله أقل في استهلاك الذي ما لا يعوض؟ لأن الشركة التي تحسم معادلة الذكاء الأخضر أولاً، هي الشركة التي تتفوق وتحسم معركة القيمة والاستدامة معاً».
هل من مخرج..؟
يتطلب الطريق إلى مخرج من هذه الأزمة، قراراً قوياً قبل التقنية، فأنظمة التبريد ذات الدائرة المغلقة، وتقنيات الغمر الحراري التي تقلص الحاجة إلى المياه، والشرائح الأعلى كفاءة، هي حلول موجودة، ويمكن الاستفادة منها، وقد أعلنت مايكروسوفت عام 2024 عن تصميم لمراكز بيانات يستهلك صفراً من المياه للتبريد، في إشارة إلى أن الصناعة بدأت تلتفت إلى فاتورتها المائية، غير أن طارق الحوسني يرى أن البداية الحقيقية هي المعيار الأساسي فيقول: «لا يمكن إدارة ما لا نقيسه، نحن بحاجة إلى مؤشر عالمي واضح للبصمة المائية لكل نموذج ذكاء اصطناعي، فحين يرى المستخدم عدد اللترات المصروفة خلف كل إجابة، سيتحول الوعي إلى قوة ضغط أخلاقية توعوية واقتصادية».
وأخيراً: نحن نشجع على التطور والتقدم، لكننا من باب الوعي، نؤكد أن ما نملكه من قدرات حسابية مذهلة قد يصبح عبئاً إن لم نحسن توجيهه، ففي كل مرة نضغط فيها زر السؤال، هناك قطرة ماء تدفع الثمن في مكان ما، فإن لم نخضع الذكاء لمنطق الحكمة، فقد نستيقظ ذات يوم على عالم يفيض بالإجابات والرسومات وغيرها، ويعجز عن توفير كأس ماء، فالذكاء الأخضر هو الحل لاستدامة هذا الذكاء العبقري الفريد.
