ناقش مهرجان الشارقة لريادة الأعمال 2026 دور الذكاء الاصطناعي والبيانات في تمكين روّاد الأعمال من بناء مشاريع غذائية قابلة للتوسع والمنافسة عالمياً، مسلطاً الضوء على نماذج ريادية نجحت في دمج الهوية المحلية مع التقنيات الحديثة لتطوير منتجات غذائية مستدامة. وجمع المهرجان نخبة من مؤسسي العلامات الغذائية وقادة القطاع لاستعراض تجارب عملية حول الابتكار التشغيلي، إدارة الجودة، وتحويل المشاريع الغذائية من مبادرات محلية إلى نماذج أعمال قائمة على البيانات وقادرة على النمو في الأسواق العالمية، وذلك ضمن حوار متخصص حول مستقبل ريادة الأعمال في قطاع الأغذية والمشروبات في دولة الإمارات.
الابتكار بوصفه هوية
وخلال جلسة حملتْ عنوان «البقاء في الصدارة والابتكار في قطاع الأغذية والمشروبات»، تمت مناقشة الابتكار بوصفه مساراً معقداً يتقاطع فيه الشغف والانضباط، والهوية، والتكنولوجيا، حيث قدمت الشيف النيكاراغوية غابرييلا تشامورو، المؤسسة المشاركة لمطعم Girl & the Goose، رؤية إنسانية للابتكار، معتبرة أن تجربتها في هذا المجال انطلقت من سؤال المعنى قبل السوق، تقول تشامورور: «انتقلت إلى دبي عام 2008، وعملتُ مع طيران الإمارات وسافرت حول العالم، وقد سمحت تلك الفرصة لي بالتعرّف إلى الشعوب من خلال طعامهم وثقافاتهم، لكن شغفي بالمطبخ لم يغادرني يوماً».
وتابعت: «في عام 2019، كان زوجي وأحد أصدقائنا هما من منحاني الدفعة التي كنت أحتاجها، وبدأنا استضافة نادي عشاء داخل شقتنا الخاصة، ولم تكن لدي أي نية لافتتاح مطعم. كل ما أردته هو أن أعرف: هل أمتلك فعلاً موهبة في المطبخ؟ هل سيحب الناس طعامي؟ وهل سيرغبون في تناول طعام من أمريكا الوسطى؟ ثم تطورت الأمور واستمر نادي العشاء لمدة خمس سنوات، واستقبلنا أكثر من 5000 شخص في شقتنا». وأكدت تشامورور أن التحدي الحقيقي لم يكن في التوسع، بل الحفاظ على صدق التجربة، موضحة أن النجاح لا يكمن في استنساخ النموذج، بل في نقل روحه من فضاء حميمي إلى مساحة أوسع دون فقدان جوهره.
الجودة والبيانات... معادلة البقاء في القمة
من جانبه، قدّم داني شكور الرئيس التنفيذي لسلسلة مطاعم «أم شريف»، مقاربة صارمة للابتكار تقوم على الهوس بالجودة والانضباط التشغيلي، مؤكداً أن التوسع الحقيقي لا يُقاس بعدد الفروع، بل بالقدرة على تقديم التجربة نفسها بالمعايير ذاتها في كل موقع. وأوضح أن تغيير الصورة النمطية للمطعم اللبناني جاء عبر الاستثمار في الهوية والتفاصيل، لا عبر تغيير المطبخ، كاشفاً عن استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم لمراقبة الجودة وتحليل الصور لضمان ثبات التقديم.
وفي السياق ذاته، تناولت كارول معوض، المؤسسة والمديرة التنفيذية لشركة M’OISHÎ، الابتكار من زاوية خلق فئة جديدة في السوق، مشيرة إلى أن إدخال «الموشي» الياباني إلى السوق الإماراتي اعتمد على التوطين الذكي وتحليل البيانات لفهم سلوك المستهلك، وتطوير النكهات، وتخصيص التجربة دون فقدان البعد الحرفي للمنتج، قائلةً: ابتكرنا عقلاً تقنياً موحداً يحلل التدفق المعلوماتي بشكل لحظي وفوري؛ والهدف ليس مجرد جمع البيانات، بل تحويلها إلى تجربة شخصية فائقة، نتحكم من خلالها في تفاصيل المنتج، السعر، وحتى النكهات والمواقع، لنقدم للعميل بدقة متناهية ما يتوقعه منا قبل أن يطلبه.
من المزرعة للطاولة
وقدمت الشقيقتان إيمان ولوشي سويجتان، مؤسستا علامة كو شوكولاته في دبي، نموذجاً حياً لريادة الأعمال المبتكرة التي تجمع بين الصحة، والمسؤولية الاجتماعية، والتميز الحرفي، وقد نشأت فكرة المشروع من تجربة شخصية عاشتاها مع والدتهما المصابة بالسكري، ما دفعهما للبحث عن شوكولاته صحية حقيقية يمكن أن تثق بها العائلة والمستهلكون على حد سواء. ومن هذا السؤال البسيط انطلقت رحلة طويلة بدأت بزراعة الكاكاو في مزرعتهن في مينداناو بالفلبين، ضمن مشروع زراعي اجتماعي يهدف إلى تمكين المزارعين ودعم المجتمعات المحلية.
في عام 2018 انطلقت العلامة في الإمارات عبر الفعاليات المؤقتة والمتجر الإلكتروني، قبل أن تفتتحا مصنعهما الخاص في ورسان 3 بدبي، حيث تتم صناعة الشوكولاته محليّاً مع المحافظة على الجودة العالية ونكهة الكاكاو أحادي المصدر، وضمان أن تكون خاليةً من زيت النخيل وتقليل محتوى السكر. مع التحميص البطيء إلى المتوسط للكاكاو. وقد تمكنت الشقيقتان من خلال مشاركتهما في مهرجان الشارقة لريادة الأعمال 2026، من نقل فلسفة العلامة التجارية إلى الجمهور مباشرة، موضحتين أن الابتكار لا يقتصر على المنتج النهائي فحسب، بل يشمل الرحلة الكاملة من الزراعة، التصنيع، الاستدامة، وحتى تجربة المستهلك.
سر ورق العنب
في الجلسة بعنوان كوسا وورق أحيت الطاهية الفلسطينية هيا بشوتي خلال الورشة التي استضافها قسم SEF EATS ذاكرة المطبخ الفلسطيني وإرث الجدّات، عبر تجربة طهو تعليمية ركّزت فيها بشوتي على تقديم طبق ورق العنب، بوصفه ممارسة تحمل الصبر والمحبة والعمل الجماعي واصفةً إياه بورق عنب ثيرابي.
في مستهل ورشتها قدمت شرحاً عملياً لكيفية تحضير الوجبة، بدءاً من تليين أوراق العنب في الماء المغلي، وتحضير الحشوة باستخدام اللحم المفروم قليل الدسم، وتعبئة الكوسا المحفورة حتى ثلاثة أرباعها، وصولاً إلى ترتيب طبقات القدر التي تضم ورق العنب، والتتبيلة المكونة من عصير الليمون والماء وثلاثة أرباع ملعقة ملح.
وأكدت بشوتي لجمهور المهرجان أن جوهر هذه الوجبة يكمن في فعل اللف اليدوي، الذي يجسد من وجهة نظرها مفهوم «النَفَس» أو الروح التي توضع في الطعام. في ختام الورشة، أخذ المشاركون لفائف ورق العنب التي أعدّوها بأيديهم إلى منازلهم لإتمام مرحلة الطهو الأخيرة، في امتداد للتجربة خارج إطار الورشة.
