غادر المدرسة، وغسل الصحون مقابل راتب شهري لا يتجاوز 700 دولار سنغافوري، وعمل في جزر سليمان تحت مراقبة حارس مسلح، ثم باع منزله ووضع مدخراته في مطعم جديد، وبين البدايات المتواضعة ونجمة ميشلان، كتب الشيف السنغافوري أكمل أنور في دبي قصة لم تعتمد على وصفة جاهزة للنجاح.

بدأت علاقته بالمطبخ في متجر صغير كانت تديره عائلته في سنغافورة، لا تزيد مساحته على 3 أمتار في 4، وكانت والدته تعد الأطباق الماليزية ووجبات الإفطار المحلية، فيما كان أفراد الأسرة يتقاسمون العمل اليومي.

دخل أكمل المتجر في سن الحادية عشرة، فقشّر البطاطا والبصل ونقل الأطباق وساعد والديه، وبحلول الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كان قادراً على الطهي، وعندما بلغ الخامسة عشرة كان قد تعلّم عملياً إيقاع العمل داخل المطعم، من دون أن يدرك أن هذه التفاصيل ستصبح أساس مسيرته المهنية لاحقاً.

بداية شاقة

لم يكن الطهي خياره الأول، فقد حلم بكرة القدم والموسيقى وتمنى أن يصبح نجم روك، وبعد تركه التعليم التقني عمل في وظائف متفرقة، قبل أن يدخل أحد أشهر مطاعم سنغافورة من الباب الأقل بريقاً، غاسلاً للصحون.

كان يتقاضى نحو 700 دولار سنغافوري شهرياً، أي ما يعادل قرابة 1900 درهم، ويعمل أحياناً 16 ساعة يومياً، وهناك بدأ يتعرف إلى مطبخ مختلف عن الطعام الماليزي الذي نشأ عليه، ثم تنقل بين مطاعم بارزة وصقل خبرته في الطهي الفرنسي والأوروبي.

وفي 2006 أنفق ما يملكه على رحلة إلى أوروبا استمرت أسبوعين، لم يكن هدفها الترفيه، وإنما تذوق الأطباق وفهم المطابخ وجمع الأفكار، ثم عاد ليطبق ما تعلمه، حتى أصبح في 2012 رئيساً للطهاة في مطعم «إيغي» السنغافوري، الذي كان يحتل آنذاك صدارة مطاعم آسيا والمرتبة الـ26 عالمياً، بحسب روايته.

دعوة دبي

وصلته عروض من موسكو ولندن، إلا أن دبي كانت المحطة التي غيرت مساره، وجاء إليها في 2013 لافتتاح مطعم «زينغو»، قبل أن تتحول المدينة من فرصة وظيفية إلى مقر لعائلته ومشروعاته.

ويرى أن دبي لا تمنح النجاح مجاناً، لكنها تتيح الوصول إلى الفرص والشبكات والموردين، وتترك أبوابها مفتوحة أمام من يملك فكرة ويستعد للعمل من أجلها، وبعد أكثر من 12 عاماً فيها، باتت المدينة بالنسبة إليه وطناً ومكاناً يشعر فيه بالتقدير والانتماء.

وقال إن دبي أتاحت له مساحة أكبر للبناء والتجربة، مضيفاً أن «الأبواب مفتوحة وليست مغلقة»، إلا أن عبورها لا يعني العثور على النجاح جاهزاً في الجهة الأخرى.

رهان أخير

جاء الاختبار الأصعب في 2016 عندما استعد لإطلاق مطعم «3Fils»، ولم يكن يملك حصته الكاملة من الاستثمار، فساندته زوجته في قرار بيع منزلهما في سنغافورة ووضع الأموال في المشروع.

وفي إحدى المراحل لم يتبق في حسابه سوى أقل من 10 آلاف درهم، فيما كانت إقامته غير مستقرة وكان مضطراً إلى السفر شهرياً لتجديد وضعه، مع وجود أسرته في دبي والتزامات لا تنتظر نجاح المطعم.

تحول «3Fils» لاحقاً إلى واحد من الأسماء البارزة في مشهد الطعام بدبي، ثم غادر أكمل المشروع ليؤسس شركته الاستشارية «White Rice Co»، ويعود بعدها إلى بناء مطاعم جديدة، من بينها «Goldfish» و«11 Woodfire».

وفي 2022 حصل «11 Woodfire» على نجمة ميشلان ضمن أول نسخة من دليل ميشلان دبي، وكان واحداً من 9 مطاعم نالت نجمة واحدة في ذلك العام، مقدماً أطباقاً تُطهى على أنواع مختلفة من الحطب مثل البلوط والجوز والتبن.

عودة الجذور

ارتبط اسم أكمل أنور بـ6 علامات حظيت باعتراف دليل ميشلان، هي «Goldfish» و«Otoro» و«Osteria Funkcoolio» و«3Fils» و«11 Woodfire» و«Harummanis».

غير أن الإنجاز الأقرب إليه لم يكن نجمة المطعم وحدها، وإنما عودته إلى طعام طفولته، فقد حمل مطعم «Harummanis» اسم المشروع الذي أطلقه والداه عام 1992، وأعاد تقديم الأطباق الماليزية التي عرفها في متجر العائلة الصغير.

وحصل المطعم على تصنيف «بيب غورمان» من دليل ميشلان، وهو التصنيف الذي يمنح للمطاعم التي تقدم طعاماً عالي الجودة بأسعار مناسبة، وكان والداه إلى جانبه عند تسلم التكريم في دبي، في لحظة يصفها بأنها الأكثر اعتزازاً في مسيرته.

ويؤكد دليل ميشلان إدراج «Harummanis» و«Goldfish» و«3Fils» ضمن قائمة مطاعم «بيب غورمان» في دبي.

وبحلول 2024 كان أكمل يدير 3 أو 4 مشروعات قيد الإنشاء، ويشرف على عمليات طهي في مطاعم تضم أكثر من 100 شخص، ويسافر نحو 200 ألف ميل خلال عام واحد، فيما اتسعت مسؤولياته من إعداد الطعام إلى إدارة التراخيص والإيجارات والموردين والرواتب وكلفة البناء.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على وقوفه في مطبخ والديه، لا يقدم أكمل أنور مسيرته باعتبارها حكاية حظ، وإنما سلسلة من المخاطر والعمل والإخفاق والبدء من جديد، ونصيحته لمن يريد تكرار التجربة بسيطة، ابنِ مشروعك ببطء، وتقبل السقوط والألم، ثم انهض وواصل السير.

في دبي وجد أكمل الأبواب مفتوحة، لكنه كان يعرف أن عليه أن يطبخ طريقه بنفسه.