لو أُتيح للشيف غابرييلا تشامورو أن تختار ألف مرة المدينة التي تريد العيش فيها، فستكون إجابتها في كل مرة دبي.
وصلت ابنة نيكاراغوا إلى الإمارة في 2008، تحمل 200 دولار وعقد عمل مع طيران الإمارات، وتتحدث الإنجليزية بصعوبة، فيما بقي حلم الطفولة بأن تصبح طاهية مؤجلاً في مكان بعيد من ذاكرتها.
وبعد سنوات، أصبحت تستقبل ضيوفاً لا تعرفهم على مائدة داخل شقتها في جميرا بيتش ريزيدنس، وتقدم لهم وصفات تعلمتها من جدتها، قبل أن تتحول المائدة المنزلية الصغيرة إلى مطعم يضم 125 مقعداً، وتصبح غابرييلا «شيف العام 2026» في دبي.
وتقول تشامورو، البالغة 41 عاماً، إن دبي أصبحت وطنها، وإنها المدينة التي ستختارها ألف مرة، لأنها منحتها فرصة إعادة اكتشاف نفسها، وتحويل مطبخ بلد صغير في أمريكا الوسطى إلى قصة تصل إلى جمهور عالمي.
ذاكرة الجدة
بدأت علاقتها بالطعام في نيكاراغوا خلال ثمانينات القرن الماضي، وسط الثورة والظروف الاقتصادية القاسية، إذ انضمت والدتها إلى الجيش للعمل والمشاركة في القضية السياسية، فتولت جدتها تيريسيتا تربيتها حتى بلغت الثامنة.
كانت الجدة تعمل طاهية في مطبخ تابع للجيش وفي مستشفى ولدى بعض العائلات، وتأخذ حفيدتها معها، وهناك ارتبط الطعام في ذهن غابرييلا بالحب والرعاية قبل أن يصبح مهنة.
تتذكر أنها أعدت الأرز للمرة الأولى في السادسة، وتعلمت لاحقاً وصفات تعتمد على الذرة والموز والكسافا والفاصولياء والمكونات التي تشكل مطبخ نيكاراغوا، فيما أصبحت جدتها، التي لا تقرأ ولا تكتب، مدرستها الأولى ومستودعاً لتقنيات طهي توارثتها أجيال المنطقة.
وعاشت الأسرة أياماً لم يتوافر فيها سوى الخبز والحليب، ولذلك بقي وصولها إلى دبي محفوراً في ذاكرتها، فقد وجدت في مسكنها سلة ترحيبية تحتوي على الأرز والمعكرونة والحليب والتونة، وكانت بالنسبة إلى فتاة لا تملك سوى 200 دولار أول درس عملي في معنى الضيافة.
رحلة مختلفة
لم تتجه غابرييلا مباشرة إلى دراسة الطهي، وإنما درست العلاقات الدولية والدبلوماسية بعد حصولها على منحة ثقافية، ثم عملت لدى الخطوط الجوية الأمريكية في نيكاراغوا.
وخلال إجازة في مدينة قرطبة الأرجنتينية، شاهدت إعلاناً ليوم توظيف مفتوح تنظمه طيران الإمارات، ودخلت القاعة من دون معرفة سابقة بالشركة أو بدبي، ثم حصلت على وظيفة مضيفة جوية وهي في الرابعة والعشرين.
أتاح لها العمل السفر إلى مدن كثيرة، لكنها تعاملت مع الرحلات كمدرسة ثانية للطهي، فكانت تستغل إجازاتها في تايلاند وفيتنام لتتعلم من طهاة الشوارع، وتشارك في إعداد الطعام نهاراً وطهوه مساءً، ثم تعود إلى عملها في الطائرة.
مائدة الشقة
في 2019 شجعها زوجها وصديقة لها على إطلاق نادٍ منزلي للعشاء، فبدأت تستقبل نحو 10 أو 15 شخصاً في شقتها، وتقدم لهم أطباقاً من نيكاراغوا وأمريكا الوسطى تحت اسم «The Girl and the Goose».
كانت لا تزال تعمل مضيفة جوية بمعدل يصل إلى 120 ساعة طيران شهرياً، ثم تعود إلى منزلها لتخطط للقوائم وتعد الطعام وتستقبل الغرباء على مائدتها.
وخلال 5 سنوات أطعمت نحو 5000 شخص من شقتها، ووصل الضيوف إليها عن طريق التوصيات المتبادلة، فتكون حول المشروع جمهور قبل وجود مطعم أو فريق محترف أو صالة ثابتة.
لم يكن الهدف الأول افتتاح مطعم، وإنما اختبار قدرتها على الطهي وتعريف الناس بمطبخ يكاد يغيب عن المشهد العالمي، كما أصبحت الوجبات وسيلة لمقاومة الحنين إلى الوطن وبناء مجتمع جديد في دبي.
دراسة متأخرة
بعد جائحة «كوفيد 19»، حصلت غابرييلا على إجازة لمدة عام ونصف، ثم تركت عملها في طيران الإمارات واستخدمت مستحقاتها للسفر مع زوجها إلى برشلونة مدة 5 أشهر ودراسة الطهي بصورة احترافية.
وتلقت تدريباً في مطاعم حاصلة على نجوم ميشلان، وعملت في مطابخ محترفة، قبل أن تعود إلى دبي وتقدم تجارب مؤقتة داخل مطاعم وفنادق، لتختبر انتقال مشروعها من عشاء منزلي صغير إلى خدمة عشرات الضيوف في وقت واحد.
وتؤكد أن استقبال 10 أشخاص في غرفة المعيشة يختلف تماماً عن إدارة مطعم يضم 125 مقعداً، لذلك رفضت القفز سريعاً إلى المشروع الأكبر، واختارت أن تتعلم قبل أن توسع حلمها.
مطعم الحلم
افتتح مطعم «The Girl and the Goose» في فندق أنانتارا داون تاون دبي بمنطقة الخليج التجاري، ليقدم أطباق أمريكا الوسطى بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على المكونات والذكريات التي حملتها غابرييلا من منزل جدتها.
وتضم القائمة أطباقاً تستعيد تقنيات يتجاوز عمر بعضها 500 عام، إلى جانب ابتكارات مثل «نيوكي» الكسافا مع حساء جراد البحر والميرمية المحروقة، فيما يستلهم تصميم المطعم البيوت الاستعمارية القديمة التي عرفتها في طفولتها.
أما الاسم، فجاء بعد حلم طاردتها فيه إوزة، ثم اكتشفت أن هذه الطيور تتميز بالانضباط والقدرة على السفر لمسافات طويلة، وهي صفات رأت فيها شيئاً من رحلتها الشخصية.
وفي 2026 حصلت تشامورو على لقب «شيف العام» ضمن جوائز «What’s On Dubai»، بعد مسيرة لم تبدأ في معهد مرموق أو مطعم شهير، وإنما على مائدة تتسع لعشرة غرباء داخل شقة.
وتعتبر أن نجاح المشروع لم يكن ممكناً في مكان آخر بالطريقة نفسها، فدبي، وفق وصفها، تجمع الفضول تجاه الثقافات المختلفة مع احترام الأصالة وتشجيع الابتكار، وتمنح أصحاب المشروعات شعوراً بالأمان والنظام وفرصة للنمو.
وصلت غابرييلا إلى المدينة بـ200 دولار، ثم صنعت من وصفات جدتها صوتاً لبلدها وقارتها، وبين سلة الطعام الأولى ومطعمها اليوم، وجدت في دبي أكثر من فرصة عمل، وجدت المكان الذي اختارته وطناً.