«إن تأويل الأحلام هو الطريق الملكي لمعرفة الأنشطة اللاواعية للعقل». هذا ما كتبه سيغموند فرويد في كتابه الشهير «تأويل الأحلام» الصادر عام .1900 ولقد وافقه العالم على هذه الفكرة طوال الجزء الأكبر من القرن العشرين، حيث راح الناس يقصدون المحللين النفسيين ليرووا أحلامهم اعتقاداً منهم بأنها تحتوي على رسائل مشفرة عن رغباتهم المكبوتة.

لكن علم الأعصاب الحديث قد همش أفكار فرويد وكشف لنا عن أشياء أعمق بكثير عن الأحلام. فنحن نعلم الآن أن هذا الشكل الغريب من الوعي يلعب دوراً أساسياً في رسم ملامح هويتنا. فالأحلام تساعدنا على ترسيخ ذاكراتنا وفهم تجاربنا التي لا تعد ولا تحصى والتحكم بمشاعرنا. تخبرنا الأنماط المتغيرة للنشاط الكهربائي في الدماغ ان الدماغ النائم يمر بدورات تدوم 90 دقيقة، تتألف كل منها من خمس مراحل -مرحلتين من النوم الخفيف في البداية، ثم مرحلتين من النوم العميق ثم مرحلة «حركة العين السريعة» والتي يلاحظ فيها تحرك بؤبؤ عين النائم تحت جفنه بسرعة. وتحدث معظم الأحلام عادة خلال هذه المرحلة، لكن الباحثين يعرفون منذ فترة طويلة ان الأحلام تحدث أيضاً في مراحل أخرى من النوم، لكنها عندئذ تكون مختلفة في طبيعتها، حيث غالباً ما تكون متباعدة وأقرب إلى نمط التفكير العادي، وأقل بكثير تعقيداً وطولاً وهلوسة من الأحلام التي تحدث خلال مرحلة حركة العين السريعة.

لكن كلا النوعين من الأحلام، برغم اختلافهما، يمثلان مرآة لحياتنا في اليقظة. وغالباً ما تعكس الأحلام تجارب تعلم حديثة، خاصة عندما تحدث في أول الليل، عندما تكثر الأحلام غير المقترنة بمرحلة حركة العين السريعة. فإذا أمضى الشخص قبل النوم بعض الوقت على لعبة تزلج حاسوبية، فربما يحلم بالتزلج مثلاً. وفي المقابل فإن العديد من أحلام مرحلة حركة العين السريعة تعكس أيضاً عناصر من تجارب اليوم السابق، لكن الصلة غالباً ما تكون غير وثيقة، أي أن شخصاً كان يلعب لعبة التزلج ربما يحلم بأنه يندفع بسرعات كبيرة عبر غابة أو يسقط من أعلى تلة.

لكننا عندما نحلم لا نقوم بمجرد إعادة الأحداث التي مرت في يومنا، بل نقوم بمعالجتها أيضاً على نحو يثبت الذكريات ويدمج المعلومات للاستخدام في المستقبل.

ولقد وجد الباحث روبرت ستيكغولد، من كلية هارفرد الطبية في بوسطن، في دراسة حديثة على مجموعة من الأشخاص طلب منهم حل مسألة معينة أن أولئك الذين رأوا في نومهم أحلاماً خارج مراحل حركة العين السريعة عن تلك المسألة، أظهروا في اليوم التالي أداءً أفضل في التعامل معها. ولقد تم أيضاً الربط بين الأحلام في مرحلة حركة العين السريعة وتحسن مهارات الشخص في ألعاب الفيديو ومهام الإدراك البصري، وكذلك في مهام استخلاص المعاني من كم كبير من المعلومات.

ويقول ستيكجولد: «من الواضح ان الدماغ ينشط بشكل كبير جداً في معالجة الذاكرة أثناء النوم ـ ومن المؤكد أن الأمر ليس محض صدفة أن تحدث الأحلام خلال قيام دماغنا بمعالجة كل تلك المعلومات وترتيبها».

وهو يعتقد أن النوعين المذكورين من الأحلام، يقومان بوظائف مختلفة، مشيراً إلى ان الأحلام خارج مرحلة حركة العين السريعة ربما تكون مهمة لاستقرار وتقوية المعلومات المخزنة في الذاكرة، بينما تقوم أحلام مرحلة حركة العين السريعة بإعادة تنظيم طريقة تخزين الذاكرة في الدماغ على نحو يتيح لك مقارنة ودمج التجربة الجديدة بالتجارب السابقة. غير أن العديد من الخبراء بمن فيهم الباحث مات والكر من جامعة كاليفورنيا، لا يرون ان ترسيخ الذاكرة هي الوظيفة الأساسية للأحلام. ويقول والكر: «هناك دلائل متزايدة على أن الأحلام تقوم بدور الموازن العاطفي، حيث تقوم بإعادة ضبط البوصلة العاطفية بطريقة إيجابية على المستوى البيولوجي». ووجد والكر في أبحاثه أن الأشخاص الذي يأخذون قيلولة قصيرة تتخللها أحلام يصبحون أكثر حساسية للوجوه الغاضبة وأكثر تقبلاً للوجوه الباسمة. وخلص إلى أنه أثناء الحلم، يقوم الدماغ بإعادة تشكيل نفسه على نحو يؤثر في رسم ملامح شخصيتك في اليوم التالي.