تذكرت جملتها المُطمئِنة وهي تتجه نحو العيادة القريبة، (ما عليج شر يا بنتي، إن شاء الله خير، طمنيني يوم بتطلعين)، كانت تلك الكلمات كافية لتسكين القلق الذي يسبق زيارة الطبيب.
ذات الاهتمام الذي حظيت به منذ أن كانت طفلة، لم يتغير شيء سوى أنها تضطر لزيارة الطبيب وحيدة، أو الاستغناء عن صحبتها في رحلة التسوق لانشغال إحداهما.. يتبادلان بعدها تفاصيل يومية دقيقة.
يبدو في حضرة الأمومة كل شيء ساكناً. حتى الزمن لا يمكن أن يسرق لحظات الحنان الخاطفة، المندسة في مكالمة قد يراها البعض متطفلة، أو تفاصيل تبدو مملة.
مرت دقائق قبل دخولها لغرفة الطبيبة، حيث تواجدت إحدى الموظفات وشاركت في الحديث العابر..
(هلا تفضلي.. كيفها الوالدة؟ على فكرة بتشبهيها كتير).. (الحمدلله طيبة، تسلم عليج)..
(أهلين حبيبتي.. شحالها أمج؟ سلمي عليها وايد).. (تعرفي أمها؟).. (طبعاً.. أمها ملاك .. عشنا وياها أحلى أيام ).. ( والله أمها ما في مثلها .. عسل الله يخليها) ..
مرة أخرى.. إنه يوم حنون منذ الصباح الباكر، لم تكن بحاجة لجرعة أمومة إضافية كي تستعيد صورة أمها، ولن يُحب الآخرون أمها كما تفعل.. فحنان يتغلغل إلى ذاكرة أشخاص عبروها يوماً ما.. وأمومة تمتد نحو الصديقات وجميع البنات.. لا بد أن تكون وارفة الظلال، كما هي أمها. سدرتها الشاهقة والممتدة بجذور راسخة..
بالعدسة المكبرة، تتجاوز الأمومة مفهوم الحنان والتضحية، وتحت المجهر تبدو أكثر تعقيداً، هي شيء أشبه بالانفعالات المتراصة المتتالية.. شيء من القلق والخوف والحب والنبض المتسارع.. بكل ما يتصل بالأبناء.. شعور بالإنسانية يُفقد الحواس السيطرة على الحب المفرط.. والقلق المتبوع بالدموع، والتعبير عن كل تلك الانفعالات بصور شتى.. وهي حالة متناقضة مشحونة بالصورة والصوت.. بالعبارات التي تتردد على مسامع الأبناء من الطفولة حتى النضج، وهي صورة تستدعي الحنين إلى الصغر.
* * *
يقاطعه صوت الجهاز النقال أثناء عودته إلى البيت، (الوالدة) تتصل بك، (ها يا بويه.. بس عليك، رد البيت الساعه بتوصل 12 باجر وراك دوام).. (إن شاء الله ).. (يوم بتي بتحصل ثيابك عند باب الحجرة، وأول ما توصل البيت كلمني .. بترياك ما برقد)..
لم تكد تنتهي من وصيتها الأخيرة حتى لمحت أضواء سيارته أمام الباب الرئيسي.. فلا يمكن له أن يخلف موعده اليومي بينما والدته تنتظره، ولا تهدأ هي عن ممارسة عادتها المسائية منذ زمن.
تبدو تلك التفاصيل سلوكاً تُدمنه الأمهات، ويكبر على وقعه الأبناء، الاتصالات الصباحية الاطمئنانية، والمسائية القلقة، وما بينهما من مكالمات مفصلة، عادة تبرر الخوف المشروع.
فالأمومة جملة المتناقضات، من القلق والطمأنينة، من الحلم والغضب، هي اختزال الأرض بخيراتها.. وامتداد الأوطان بشعوبها، هي ترجمة لعبارات الشوق والحب النابض..
إليها..
أنتِ شعور خفي، لا يكف عن النبض شوقاً. وأنا طفلة أهذي بحُبّك..