قدمت السينما المصرية على مدار تاريخها الطويل صوراً عديدة لشخصية ضابط أمن الدولة، بعضها كشف بواقعية عن ملامح هذه الشخصية بل وأزاح الستار أيضاً عن خفايا كثيرة لا نعلمها عن أسرار هذا الجهاز وشخصيات الضباط العاملين فيه، إلا أن البعض يرى أن الأعمال السينمائية التي تناولت شخصية ضباط أمن الدولة كانت محكومة بضوابط وحدود حتى لا يتخطاها صناع العمل السينمائي. وعلى الرغم من تلك القيود إلا أن هناك العديد من الأعمال التي حُفرت أسماؤها في ذاكرة جماهير الوطن العربي حول شخصية هذا الضابط..
وعلى رأس هذه الأعمال فيلم «زوجة رجل مهم» بطولة أحمد زكي ومرفت أمين وإخراج محمد خان، ولا ننسى أيضاً شخصية الفنان عادل أدهم من خلال فيلم «حافية على جسر الذهب» والذي شاركه بطولته حسين فهمي وميرفت أمين وأخرجه عاطف سالم، ثم جاء فيلم «اللعب مع الكبار»؛ ليقدم النموذج الصالح من الضباط الذي قام ببطولته عادل أمام وحسين فهمي وإخراج شريف عرفة، وحتى فيلم «الكرنك» لسعاد حسني وكمال الشناوي وفريد شوقي وإخراج علي بدر خان بالرغم من أن البعض اعتبر أن الفنان كمال الشناوي جسد في هذا الفيلم شخصية صلاح نصر مدير المخابرات المصرية الأسبق وليس ضابط أمن الدولة.
ثم توالت الأفلام التي تناولت شخصية ضابط أمن الدولة بعد ذلك ومن بينها فيلم «الإرهاب» بطولة نادية الجندي وفاروق الفيشاوي وصلاح قابيل وإخراج نادر جلال، وأيضا فيلم «أمن دولة» بطولة نادية الجندي ومحمود حميدة وياسر جلال وإخراج محمد مختار، وأفلام أخرى قدمت صورة قاتمة لضابط أمن الدولة المنحرف والسادي مثل فيلم «عمارة يعقوبيان» بطولة عادل أمام ونور الشريف وفيلم «حين ميسرة» بطولة سمية الخشاب وعمرو سعد وهالة فاخر وسوسن بدر وإخراج خالد يوسف، بل ظهرت بعض الأعمال الكوميدية التي تناولت ضباط أمن الدولة مثل أفلام «بطل من ورق» بطولة ممدوح عبدالعليم وآثار الحكيم وإخراج نادر جلال، وفيلم «حسن وعزيزة قضية أمن الدولة» بطولة يسرا وأشرف عبدالباقي وإخراج أسامة فريد.
ولكن هل استطاعت السينما أن تنقل الصورة الحقيقة لجهاز أمن الدولة وأن تكشف أبعاد شخصية ضابط أمن الدولة أياً كان موقعه؟
كشف المستور
الناقدة حنان شومان، تجيب على هذا السؤال بقولها: إن السينما المصرية قدمت شخصية ضابط أمن الدولة بشكل موضوعي من خلال فيلمي «زوجة رجل مهم» و«كشف المستور» وهذان النموذجان قدما ما يمكن اعتباره أقرب ما يكون إلى الشكل الحقيقي لضباط أمن الدولة، وعلى مدار تاريخ السينما المصرية قدم نمط الضابط بكل الأشكال منها الكوميدي والجاد وشديد القسوة المتعنت الذي نجح النجم كمال الشناوي في تقديمه من خلال فيلم «الكرنك» في دور خالد صفوان والذي تردد بأن المقصود به صلاح نصر مدير المخابرات المصرية في ذلك الوقت وليس ضابط أمن الدولة،وقدمت السينما أيضاً الضابط الرومانسي والفاسد والانتهازي كما في فيلم «زوجة رجل مهم». وعلى الرغم من الشخصية المعروفة عن ضابط أمن الدولة بأنه قاسٍ وصارم في التعامل مع المتهمين السياسيين.. إلا أن ذلك لم يمنع السينما من تناول شخصية هذا الضابط بشكل كوميدي وهو ما ظهر في فيلم «الإرهاب والكباب» عندما تناولت السينما المصرية شخصية وزير الداخلية وضباط أمن الدولة المحيطين به في نموذج كوميدي بعث على الضحك أكثر من الضيق.
زوجة رجل مهم
وتؤكد الفنانة تيسير فهمي، أن كل نظام فيه الفاسد وفيه الجيد، ولكن عندما يغلب الفساد على النظام فسيظهر الفاسدون بشكل أوضح، وعندما يكون النظام صالحًا سيظهر الشرفاء بدون شك، وهذا ما حدث بالفعل لجهاز أمن الدولة والذي غلب عليه الفساد، ولكن السينما عندما كانت تحاول التعبير عن ضابط أمن الدولة بشكل حقيقي كانت تصطدم بالرقابة، لدرجة أن الرقابة كانت تعطي أوامر؛ لكي يكون ضابط أمن الدولة وضابط الشرطة بشكل معين، وبالتالي فلم تكن هناك حرية في التناول السينمائي، وتؤكد أيضاً أن أفضل فيلم تناول شخصية ضابط أمن الدولة كان فيلم «زوجة رجل مهم» والذي عبر عنه الفنان الراحل أحمد زكي بشكل حقيقي.
صورة سطحية
يقول الفنان طارق لطفي: إنه بعد كشف هذا الحجم من الفساد الذي أحاط بجهاز مباحث أمن الدولة ووزارة الداخلية بصفة عامة فلا يستطيع أحد أن يقول إن السينما عبرت بشكل كامل عن شخصية ضابط أمن الدولة أو حتى ضابط الشرطة بشكل حقيقي، حيث تبين أن ما قدمته السينما عن هذه الشخصية مجرد قشور وصورة سطحية ليس أكثر، مؤكداً أن هناك الكثير الذي لا يعرفه عن ضباط أمن الدولة، وبالتالي لم يتم التعبير عن جميع جوانب هذه الشخصية، مرجعا السبب في ذلك إلى وزارة الداخلية التي كانت تمنع السينمائيين دائما من تقديم شخصية ضابط أمن الدولة بحرية بل وتشترط الحصول على موافقة مسبقة على أي عمل يتناول رجل الشرطة.