مَن تابع تطوّرات إدارة احتفالية «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009» والاستراتيجية التي انتهجتها المنسقة العامة الدكتورة ليلى بركات، يعرف جيّداً أن هذا العمل يحتاج الى جهود جبارة ومغامرين ليقتحموا مضماراً شبه ميّت لولا المبادرات الخاصة من قبل مواطنين معنيين بالثقافة.
يمكننا القول ان هذه الاحتفالية التي انتهت بنجاح تاريخي عملياً في (يونيو) 2010، مع 567 مشروعا و1200 نشاط، أعادت الى بيروت دورها الريادي ولو لوقت محدّد. لكن لماذا لا تستفيد وزارة الثقافة اللبنانية من هذه التجربة وتحاول إحياء دورها الغائب؟ وما هو مصير المديرية العامة لوزارة الثقافة بعدما عرّتها بركات في دراسة حالة خاصة تؤكد أنها تحتوي على كل أنواع الفساد.
بركات التي تحمل شهادتي دكتوراه، الأولى في السياسة الثقافية الفرنكوفونية (جامعة السوربون الجديدة، باريس)، والثانية في ادارة القطاع العام (جامعة باريس الثانية)، رفعت أخيراً تقريراً مالياً مفصّلاً مرفقاً بمستندات ثبوتية الى الهيئات الرقابية المختصّة حول تجربتها المتعلقة بالتعاطي مع المال العام من قبل المديرية العامة لوزارة الثقافة.
مع العلم أنه بقي نحو 600 ألف دولار (282 .250 .896 ليرة لبنانية تحديداً) من التمويل الذي كان مخصّصاً لـ «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، وعد وزير الثقافة سليم وردة بأن يُعيدها الى خزينة الدولة.
ولدى سؤالها عن الانطباعات التي خرجت بها من وزارة الثقافة بعد تجربتها، أجابت د. بركات:
إنّ أنواع الفساد منتشرة في المديرية العامة للثقافة. من هنا تستحق هذه الإدارة أن تؤخذ كعيّنة لدراسة حالة الفساد في المديريات العامة والمؤسسات العامة في لبنان. ومن الممارسات التي تسود في المديرة العامة للثقافة ، التدخل والمحسوبيّة والمحاباة .
وتعتبر بركات، ابنة المفتش المالي العام السابق سامي بركات، التي عملت مستشارة لبعض الوزراء ورؤساء المؤسسات العامة في لبنان ثم أستاذة جامعية وخبيرة دولية في مشاريع لدى الاتحاد الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أنها ابنة هيئات الرقابة.
لكن هل تثق بفعالية هذه الهيئات في المناخ السائد؟ تقول إن هيئات الرقابة تحتاج الى تعزيز. أولاً، بالكوادر البشرية، إذ لا يُقارن عدد المفتشين والقضاة القليل مع عدد موظفي الدولة.
فمن المستحيل أن يتمكنوا من القيام بمهماتهم كافة، لأن مناخ الفساد مستشر في الدولة اللبنانية بشكل كبير. وترى بركات أنه ثانياً، يجب تعزيز صلاحيات هذه الهيئات. وتشرح على سبيل المثال أنه ليس للتفتيش المركزي (إحدى هيئات الرقابة) صلاحيات مراقبة القروض والهبات، وهذا غير مبرّر ويحتاج الى طلب تحقيق من الوزير المختصّ أو رئيس الوزراء.
وتضيف: ثالثاً، هناك تدخلات سياسية تمنع غالباً إذاعة نتائج التحقيق على العلن ومعاقبة المرتكبين. ورابعاً، القوانين التي تحكم القطاع العام بالية، وبالتالي من السهل الاحتيال عليها، «التشاطر» عليها على الطريقة اللبنانية، كما يحدث في المديرية العامة للثقافة. وتؤكد: رغم كل ذلك، أثق بهيئات الرقابة وسأرضى بنتائج التحقيق.
وتشرح أن اثنتين من هيئات الرقابة (وهي مجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي) استحدثها الرئيس فؤاد شهاب بموجب المرسوم 114 في العام 1959، كما أعاد تنظيم ديوان المحاسبة، وذلك لإعطاء هيبة لإنفاق المال العام، وليس لتقوم هذه الهيئات بدور الشرطة. وتضيف أن شهاب قام بمحاولات تحديثية للدولة من خلال إدخال كوادر عليا على مستوى من الجدارة والكفاءة ونظافة الكفّ.
وعزّز في الوقت نفسه دور الهيئات الرقابية ليكون هناك رقابة مزدوجة، أولاً من رئيس الهرم الإداري، وثانياً من الهيئات الرقابية، فالإدارة على صورة رئيسها. وجعل شهاب التعيين في مؤسسات الدولة خاضعا لمجلس الخدمة المدنية الذي استحدثه في المرسوم نفسه، حيث فعّلت الضوابط للتعيين والترفيع والترقية.
وفي هذا السياق، ترى بركات أن سبب حالة الارتخاء التي تلفّ الإدارات والمؤسسات العامة في لبنان إجمالاً، يعود الى تهميش دور الهيئات الرقابية في التعيين وفي المراقبة. فالتعيينات في الفئة الثالثة تخضع لامتحانات، أما الترفيع في الفئة الثانية والأولى والتعيين في الفئة الأولى من خارج الملاك فيخضعان للعوامل السياسية كما الكل يعرف.
بيروت ـ ياسمينا الخازم