الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 قال الحق سبحانه :«وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا، ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم أياته لعلكم تعقلون) «البقرة». تلك هى قصة البقرة الذى جاءالأمر الإلهى بها إلى موسى فأشار موسى عليه السلام على قومه بأن يذبحوا البقرة وظل قوم موسى يجادلون في ذلك إنهم يريدون علة الأمر وينسون أن أى أمر إلهى لا ينبغى أن يسأل الإنسان فيه عن علة لأنه أمر غير قادم من مساو للمخلوق. إن الإنسان عليه أن يسأل عن طبيعة الأمر وعلته عندما يصدر الأمر من مساو له لكن عندما يصدر الأمر من الخالق سبحانه فلا يليق أن يسأل الإنسان عن علة الأمر لأن العلة في مثل هذا الأمر لابد أن تكون في صالح الإنسان. ولقد ذهب البعض إلى القول بأن ذبح البقرة بالنسبة لقوم موسى إنما كان من أجل هز هيبة الحيوان أمام قدرة الإنسان. وكان قوم موسى قد صنعوا تمثالاً للعجل وعبدوه وعاشوا مع المصريين في ذلك الزمن الذى قدسوا فيه البقر وكان لابد من اقتلاع هذه البقية من التقديس للعجل والأبقار من نفوسهم لذلك كان الجدل والتلكؤ في ذبح البقرة والسؤال عن نوع البقرة لقد أراد الحق أن يكشف أمامهم قدرتهم على البقرة وفوق كل ذلك قدرته سبحانه على الإحياء والإماتة وذلك من خلال الجريمة التى وقعت بينهم فقد قتل أحدهم ولم يتعرفوا على القاتل فجاء الأمر بذبح البقرة وضرب القتيل ببعضها ليروا كيف يعود القتيل إلى الحياة ليخبرهم عن قاتله. لقد جاء الأمر أولاً ثم جاءت العلة بعد ذلك. إن التكليف من الله تعالى يجب أن يطبق على الفور لأن تطبيق التكليف هو معيار الإيمان والإيمان بالله تعالى يقتضى أن نسلم بكل أمر ولذلك يأتى الأمر بالصيام على سبيل المثال مسبوقاً بهذا القول : (كتب) وذلك قول الله تعالى: «يأيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم »«البقرة :183» إننا لا نسأل الحق سبحانه عن علة الصيام لأن الإيمان بالله تعالى يعنى : أن المؤمن قد أسلم حركة حياته كلها لله ويفعل ما يأمر به الحق سبحانه. إن علة الأحكام التكليفية من الحق جل وعلا لا تظهر إلا بعد مزاولتها فالمؤمن لا يعرف علة الصلاة إلا إذا باشر الصلاة ورأى فيها قرة عين وراحة نفس ووجوداً في حضرة الله عز وجل والصوم لا يعرف المؤمن له حكمة إلا بعد أن يمارسه فيتعرف إلى فوائده بالنسبة للجسم وكيفية الأمانة مع النفس ورقابتها والسيطرة عليها إن المؤمن هو من يقبل على أوامر الله طاعة لله سبحانه وفى قصة البقرة ينبهنا الحق إلى هذه اللفتة فلا تأتى العلة التى من أجلها صدر الأمر بذبح البقرة إلا في آخر القصة كأن الحق قد أراد أن يختبره قوة إيمانهم دون لجاجة أو تلكؤ وقصة البقرة تبين أنهم استقبلوا أمر ذبح البقرة باللجاجة والتلكؤ. إن موسى عليه السلام يبلغهم بقول الحق سبحانه :« إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» فيتقبلون هذا الأمر بلجاجة من يظن أن في مثل هذا الأمر استهزاء بهم إلى هذا الحد بلغت بهم اللجاجة. فالخلق يطلبون من الحق تعالى الأمور التى يحتاجون إليها بالدعاء والرجاء، إذن والمؤمن لا يستقبل أوامر الله سبحانه بانتظار تعليل لها إنما المؤمن هو الذى يجب أن يستقبل أوامر الله سبحانه بدون تعليل. فلو أن الله تعالى قد طلب ذبح بقرة بدون العلة التى ذكرها بعد ذلك لكان من الواجب على قوم موسى أن يطيعوا الله سبحانه وإن لم يعلموا العلة ويعطينا هذا الدرس تلك الحقيقة الإيمانية الناصعة التى تقول : إن الإيمان بالله تعالى هو أصل لتعليل أى حكم من أحكام الله سبحانه فإذا قيل للمؤمن : لم نصلى ؟ فعلى المؤمن ألا يدخل في متاهات تعليل الصلاة ولا أن يقول : إن الصلاة رياضة للبدن وتحريك لسائر الأجهزة لا ذلك أن غير المؤمن قد يرد على المؤمن قائلاً : تعال أعلمك رياضة تفيد البدن وتدير كل أجهزة الجسم أفضل من ذلك. ورغم أن أحداً من المؤمنين لا ينكر حلاوة الصلاة وفائدتها فإن هذا الجمال الخفى المشع من أداء الصلاة لا تحده الكلمات ولا تحيط به المعانى إنه لقاء بين الخالق والمخلوق وعلة الصلاة الوحيدة والأولى هى تنفيذ لأوامر الحق جل وعلا. إذا قيل للمؤمن : لم تتوضأ قبل الصلاة؟ فعلى المومن أن يقول: لقد أمرنى الله تعالى بذلك والمقصود بالعبادة هو طاعة الأمر ذلك أن الأمر لا يتوقف عند النظافة بالوضوء فقط فهناك التيمم إن تعذر وجود الماء. إن المسألة في الوضوء : أن الله سبحانه قد اختار أن نتقرب إليه على هذا النحو وكذلك في الصوم لا يقول المؤمن : أنا أصوم من أجل أن أشعر بمتاعب الفقراء والجوعى أو غير ذلك من الأسباب إنما المؤمن يؤدى عبادة الصوم طاعة لأمر الله تعالى. هكذا نفهم الدرس الواضح من العبادات إن كل عبادة لها حلاوة طاعة طاعة الأمر التى تشع بجمالها في أداء العبادة لا تحدها الكلمات ولا تحيطها المعانى ولهذا يجب على المؤمنين أن يستخلصوا الحكمة من حال قوم موسى عندما طلبوا علة الذبح قبل الذبح لكن العلة جاءتهم بعد طاعة أمر الحق سبحانه. وقد قص الله تعالى علينا في القرآن الكريم تلك القصة ليبين لنا كيف كان تلكؤ قوم موسى وكيف سردوا الأعذار ليسوفوا ويماطلوا في تنفيذ أمر الله. لقد قال موسى :( إن الله يأمركم ) وهكذا كان الأمر من الحق سبحانه أنه طلب لحقيقة يستطيعها قوم موسى وكان التلكؤ في السؤال عن اللون استبطاء في التنفيذ والطاعة لقد سمعوا أمر الله تعالى ولم يسارعوا إلى التنفيذ وبعد ذلك وجهوا سؤالاً فيه من العنت الكثير قالوا لموسى : «أدع لنا ربك يبين لنا ما هى» هكذا وكأنهم لم يعترفوا بالله رباً لهم إنهم قصروا ربوبية الحق على موسى وحده ولو كانوا حقاً مؤمنين بالله تعالى راغبين في تنفيذ أمره سبحانه لقالوا : ادع لنا ربنا يبين لنا ما هى لكن تلك المسألة - أى مسألة تنفيذ الأمر - كانت بعيدة عن تفكيرهم ولذلك كان الرد جازماً قاطعاً قال لهم موسى : ( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون)«البقرة :68» كأن الحق يريد لهم الامتناع عن سبل التلكؤ لكنهم يتمادون في التلكؤ وتنبههم إجابة الحق سبحانه إلى خطأ السؤال فكان المفروض أن يسألوا عن عمر البقرة فحتى هؤلاء القوم لا يحسنون السؤال. لقد صحح لهم الحق سبحانه ما كان يجب أن يسألوا عنه فقال تعالى : (إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ) والفارض في اللغة معناها الواسع والمراد هنا ألا تكون بقرة مسنة والذى يدل على ذلك أن وصف البقرة لم يتحدد فقط بأنها (لافارض) ولكن يتحدد أيضاً ببقية الوصف (ولا بكر عوان بين ذلك) أى وسط بين هذا الأمر وذاك الأمر. ويأتى بعد ذلك التحديد في قوله تعالى :( فافعلوا ماتؤمرون) وذلك حتى لا يتمادوا في التلكؤ وكان تحديد الحق سبحانه للبقرة بذلك يعنى ألا تكون مسنة والبقرة المسنة كما نعرف هى التى تعرضت للحمل كثيراً لذلك يكون بطنها متسعاً ويحدد الحق سبحانه أن تكون البقرة (لافارض ولا بكر) أى أنها تكون قد ولدت عدة مرات لكن لم تصبها الشيخوخة وذلك هو المقصود بكلمة (عوان بين ذلك). ويأتى بعد ذلك الأمر بضرورة تنفيذ أمر الحق لكنهم يتمادون في التلكؤ فيتساءلون عن لونها ويأتى الأمر من الحق سبحانه على لسان موسى : (إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) «البقرة:69» والمقصود بذلك أنها تدخل السرور على من ينظر إليها إعجاباً بها وبجمال لونها وصفائه أن تكون بقرة تنال من رعاية صاحبها وكرمه والعناية اللازمة منه فيبدو جلدها لامعاً فيه نضارة تسر من ينظر إليها. وقد وصف الحق تبارك وتعالى البقرة المراد ذبحها بوصف دقيق. وصف عمرها بقوله :(إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) ووصف الحق سبحانه لونها بقوله تعالى:(إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) ورغم ذلك الوصف الدقيق فقد عاد قوم موسى يسألون مرة ثالثة لمزيد من التلكؤ :(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) كأنهم يربطون الهداية إلى أمر الله بحجة أخرى. فيرد الحق تبارك وتعالى بوصف ثالث :(إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها) والذلول هو المروض الذى يتوافق مع مهمته.