هتف بي الشاعر محمد خليفة بن حاضر يقول: أأنت فلان؟ قلت: نعم قال: قرأت في كتابك «الادب الجاهلي» ما يشير الى تعظيم النسر والى التنويه، بشرفه وبراعته في الصيد. قلت: وما اعتراضك على ما قرأت؟ قال: من أين اتيت بهذه الاباطيل؟ قلت: مما قاله الشعراء. قال: أهم من البدو أم من الحضر؟ قلت: من البدو ومن الحضر. قال: وأي بدوي من الشعراء يدعي ما ادعيت؟ قلت: عمر ابو ريشة العربي البدوي المنتمي الى قبيلة ضاربة في بادية منبج السورية. قال: وماذا قال في النسر، حتى استوحيت فيه ما استوحيت؟ قلت: نظم قبل سبعين سنة قصيدة ندرسها في سوريا مطلعها: اصبح السفر ملعباً للنسور فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري وفي هذه القصيدة صور عمر جهاد السوريين، وثورتهم على الفرنسيين، وجعل النسر رمزاً للأنفة والقوة، والصيد ضرب من ضروب القوة، قال: أخطأ كما أخطأت، النسر ابعد الجوارح عن الأنفة، واعجزها عن الصيد. قلت: وأي الجوارح اشرف منه واعنف؟ قال: الصقر وطبقته من البزاة والعقبان والشواهين، ولشرف الصقر وعنفه، وأنفته والفته اتخذه العرب للصيد في الجو كما اتخذوا الكلب للصيد في البحر. عجبت مما سمعت، وعدت الى التراث استفتيه، لعلي أجد فيه ما ابتغيه، فأرد على ابن حاضر، أو اصحح غلطي وغلط ابي ريشة. عدت الى كتب التراث، فإذا هي تقول: النسر من سباع الطير لا من جوارحها، لانه بلا مخالب. وقوته تكمن في اظفاره ومنقاره وضخامة جسمه، لكنه عاجز عن احتمال الفرائس الثقال، ثم انتجعت الجاحظ صاحب الحيوان، فاذا فهو يقول: «النسر طائر ثقيل عظيم شره رغيب نهم، اذا سقط على الجيفة وتملأ لم يستطع الطيران، حتى يثب وثبات». ولما وقعت على هذه الاقوال وقرنتها بقول العرب: «ان البغاث بأرضنا يستنسر» ادركت ان ابن حاضر اعلم بالنسور والصقور مني ومن أبي ريشة، لانه يتحدث عما رأى واختبر وعايش، ونتحدث عما نقرأ، فيختلط بعضه ببعض، وادركت كذلك ان في النسر من المثالب مثل ما فيه من المناقب، ومن الرذائل عدل ما فيه من الفضائل، وربما فاقت سيئاته حسناته ففيم اطراؤه، وهو بالإزراء قمين؟ ولهذا ثبت لدي انه لا يستحق ان يرأس سباع الطير كما رأس الاسد سباع الضواري. وتبين بعد التحقيق والتدقيق ان النسر اكول لا قتول، ومتطفل كالضبع، لا متفضل كالاسد، ومأكله الجيف المطروحة على الارض، لا الفرائس التي يتصيدها من السماء. ولما كان يعرف من نفسه الضعف عن الافتراس، ويخشى ان تغوله غائلة الجوع فقد ادمن الطمع والجشع، وراح يطعم حتى يتخم، ويملأ بطنه حتى يعيا جناحاه المديدان بحمله، فيتوثب توثبا، يعينه على التخفف مما يثقله. وهو كأكثر المتطفلين جبان، يترقب المعارك ولا يعارك، فحيثما سارت الجيوش حام، أو ارتبأ مربأة على قمة جبل، ينتظر فيها نزول الابطال الى الصيال، فمتى دارت الدائرة على القوم، وتناثرت قتلاهم في الميدان حط على الجثث، يلتقم ويلتهم. ومن التصوير المهيب لهذا المشهد العجيب اللوح المشهور الذي رسمه النابغة بريشته الصناع، ولونه بمشاعره الحية، وعلقه فوق المسرح الذي جرت فيه معركة ضارية بين الغساسنة وخصومهم. في هذا اللوح النادر اسراب من نسور، يلحق بعضها بعضاً، وتلحق سوابقها واللواحق ساقة الجيش الغساني لتصيب من جثث القتلى ما تعودت ان تصيب بعد ان طال تحرسها بانتزاع اللحم عن العظم، واكتملت دربتها بالولوغ في الدم، فاذا هبط بصرك من اعلى اللوح الى وسطه رأيت نسوراً رابضة وراء الجيوش على رؤوس الجبال، تنظر بمآخير عيونها الضيقة الحادة، متلهفة الى الدماء، متلففة بريشها الكثيف السابغ، كما يتدثر الشيوخ بأكسية الفرو: اذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يفرن مفارهم من الضاريات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خزراً عيونها جلوس الشيوخ في ثياب المراتب وجبن النسر عاد عليه بطول العمر لا بطيب الذكر، وجعله مضرب المثل في امتداد الاجل، يدلك على ذلك ان طرفة بن العبد سخر ممن يرغب في البقاء، وقرن سخره بحياة لقمان بن عاد وحياة النسور. فقد عاش لقمان دهراً طويلاً يعدل اعمار نسور عديدة متعاقبة، ثم قضى نحبه، فكيف يطمع المرء بالخلود؟ ألم تر لقمان بن عاد تتابعت عليه النسور، ثم غابت كواكبه ولهذا فالأجدر بالنسر ان يقرن بالضباع من السباع لا بالاسود ولا بالفهود. فهو والضبع من أكلة الموتى، ولو اوتي مثل اظافر الضبع لنبش القبور كما تنبش، وعفر محاسن الموتي كما تعفر، ولأصبح حفار قبور لا قناص طيور. ان ترصد النسر كما رصده الشعر يغري الباحث الذي انقطعت صلته بالبادية والطبيعة بترصد الجوارح الاخرى ويحمله على ان ينظر في طباعها واخلاقها. ومنها الغراب مضرب المثل في الشؤم، قالت العرب: اشأم من غراب البين. وشؤمه مغروس فيه غرساً اشتقاقياً. فهو صنو الغربة والاغتراب والتغرب والغروب، ولهذا جعله عنترة بن شداد نذير فراق وشقاق، فقال: ظعن الذين فراقهم اتوقع وجرى ببينهم الغراب الابقع والبومة شبيهة بالغراب في الشؤم واللؤم. قالت العرب: لئام الطيور ثلاثة: الغربان والبوم والرخم. وسر الشؤم واللؤم في البومة ظهورها في الليل، وتفردها في المفاوز والمقابر والخربات، واعتداؤها على بغاث الطير، وسرقتها فراخها في جوف الليل. ولذلك تطير بها الاسود بن يعفر حينما رآها في مفازة حملته اليها ناقته السريعة: وسمحة المشي شملال قطعت بها ارضا، يحار بها الهادون ديموما مهامهاً وخروقاً، لا أنيس بها إلا الضوابح والاصداء والبوما والرخم كالنسر من أكلة الجيف، واشنع ما فيها كلفها بنقر عيون القتلى. ولهذا كرهها العرب، وكرهوا تنكيلها وتمثيلها بأوجه أحبتهم، ومما فاخر به طرفة بن العبد اعداءه ان قومه الشجعان يصرعون خصومهم، ويذرون جثثهم تمزقها مخالب الرخم: تذر الابطال صرعى بينها تعكف العقبان فيها والرخم فاذا اعرضت عن الشؤم واللؤم، والتمست الاصالة والنبالة لم تجد اشرف من العقبان والصقور. والعقاب من الجوارح الطويلة الاعمار المرهفة السمع، القوية المخالب، القادرة على احتمال الظباء. وربما ضربت العقبان بمخالبها حمر الوحش، فشقت جلودها، وربما انصبت على الذئاب من كبد السماء، كأنها الصواعق المدمرة، فروعتها اي ترويع. وفي ديوان امريء القيس ملحمة من احفل الملاحم بالصراع المروع، تنقض فيها عقاب على ذئب، والذئب مرتبك مذعور، يطلب المأمن فلا يجده والعقاب تهوي عليه هوى النيزك، وتعصف به عصف الريح، فينطلق لا يدخر في اعصابه المستوفزة ذرة من قوة او نفرة بالغة السرعة، لكنها تنحط عليه، وترسل في متنه الازل مخالبها الحادة، فإذا احس حرقة الجراح، وادرك قوة الخصم انتزع جلده المثقوب وراح يدور بين الصخور، لعله يجد كوة ينجحر فيها، وهيهات: ويلمها من هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الارض مطلوب كالبرق والريح شدا منهما عجبا ما في اجتهاد عن الاسراع تغييب فأدركته، فنالته مخالبها فانسل من تحتها، والدف منقوب يلوذ بالصخر منها بعدما فترت منها ومنه على العقب الشآبيب ولولا شرف العقاب لما سميت بها راية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما شبه الشعراء الفرسان الشجعان بالعقبان. اما الصقر ـ بشهادة ابن حاضر ـ فأكرم الجوارح عند العرب ومن اسمائه البازي والاكدر والاجدل، ومن مزاياه انه يستجيب للتدريب، ويألف مدربه. ولشرفه قرنه الجاحظ بالملوك فقال: «والبازي والفهد من جوارح الملوك، والشاهين والصقر، إلا ان الصقر اكرم من البازي لان البازي اعجمي، والصقر عربي». ولما كان الصقر عربي النسب شريف الحسب فقد شبه الشعراء به أحب المخلوقات اليهم، ومنها الناقة والحصان. وصف عامر بن الطفيل سرعة الاغر ـ والاغر حصان عنترة ـ فشبهه بصقر ينقض من عل، فقال: ونجا بعنترة الاغر من الردى يهوي على عجل هوي الاجدل وبعد الذي وقفت عليه من امور الطيور لئامها وكرامها وقر في نفسي ان ابن حاضر كان على حق، فهتفت كما هتف، وقلت: لقد ثبت لي ان الصقر اكرم من النسر، فعلام تتخذ الدول النسر شعاراً، تزين به الاعلام، وتضربه على الدراهم؟ فقال: لانها اخذت بالشكل والحجم، ولم تأخذ بالفعل والطبع، ولم تصغ الى قول ابي الطيب المتنبي: اعيذها نظرات منك صادقة ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم نعم. هؤلاء خدعهم الورم، ففضلوه على الكرم، النسر لا يفضل الصقر إلا بوفرة الريش وضخامة الحجم، ولو كان الفضل للحجم لا للعزم لوضع التاج على رأس الفيل لا على رأس الاسد. وما اكثر الكبار الذين يسرقون امجاد الصغار!! ألا ترى كيف تجهد النحلات العاملات في تلقط الرحيق من قاصيات الازهار، ثم يغير على العسل يعسوب صعلوك، لم يسع الى زهرة، ولم يجن ذرة؟ وانظر كيف يشقى العمال في المناجم والافران ثم يذهب بجائزة الانتاج مدير قدير، وكل قدرته التعالي على المنتجين المتواضعين؟ ان المجد مرهون بالجد ـ بفتح الجيم ـ لا بالجد ـ بكسرها، أي: بالحظ الصاعد لا بقوة الساعد. وأخيراً أما سمعت قول العرب: رب ساع لقاعد؟ والنسر من القعد لا من السعاة، وكالرخم والبوم لا كالصقور والبزاة