على امتداد نصف قرن استهدفت السياسة الخارجية الاميركية الحيلولة دون ظهور قوى عظمى اخرى، وهي الاستراتيجية التي ثبت انها مرهقة وعقيمة ومتفاقمة الاخطار ومن المؤكد ان الولايات المتحدة، سوف تصبح اكثر امنا والعالم سيكون اكثر استقرارا اذا اختارت واشنطن اشراك اطراف اخرى في تحمل المسئولية. على واشنطن الاعتراف بأنها لايمكنها الحيلولة دون صعود قوى عظمى اخرى. فمنذ نهاية الحرب الباردة دارت استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى حول الاحتفاظ بتفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي وحتى الآن فان معظم الاميركيين قد اذعنوا لتلك الاستراتيجية حيث ان تكلفتها تبدو منخفضة على نحو يمكن تحمله غير ان احداث 11 سبتمبر اثبتت غير ذلك فالذين اخذوا على عاتقهم القيام بها تصرفوا بحسابات باردة لاجبار الولايات المتحدة على تعديل سياسات محددة، تلك السياسات التي تنبع من الدور العالمي الذي اختارته واشنطن كما كانت هذه الهجمات ايضا بمثابة رد فعل عنيف على الحقيقة الواضحة المتعلقة بالهيمنة الاميركية المطلقة.ان هناك العديد من المهام التي تواجهنا والاكثر الحاحا منها تلك التي تشغل الامة الآن وهي تعقب ارهابيي القاعدة والقضاء التام على شبكتهم وبنيتهم التحتية بعد القضاء على حركة طالبان التي وفرت المأوى لهم والمهمة الاشمل سوف تستغرق بعض الوقت، لانها تعني صياغة موقف اميركي جديد تجاه العالم خلال القرن الحادي والعشرين فنحن نحتاج للاستمرار في احكام السيطرة في ظل وضع يشكل مفارقة صارخة، ذلك ان تفوق القوة الاميركية يمكن الآن ان يجعلنا لسنا اكثر امنا بل اقل امنا، وفي الاطار نفسه قد يكون من الممكن فعليا تحقيق اقصى اهداف سياستنا الخارجية من خلال وجود عالمي محدود. خيارات القوى العظمى ان القوى العظمى لديها خياران استراتيجيان اساسيان، فهي يمكن ان تتبع خيار الهيمنة الجيوسياسية (استراتيجية القطب الواحد) او يمكن لها الابقاء على توازن قوي حاد بين الدول الاقوى في منطقة ما او حول العالم (استراتيجية متعددة الاقطاب) ومنذ اواخر الاربعينيات اختارت الولايات المتحدة المنهج السابق حقيقة انه حتى في ظل الحرب الباردة عندما كان العالم مقسما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ذهب عدد من عباقرة السياسة الخارجية بمن فيهم والترليبمان، وجورج كينان ووليم فولبرايت، الى انه من مصلحة الولايات المتحدة تشجيع اوروبا الغربية واليابان على البقاء كقوى عظمى مستقلة من اجل التخفيف من اعباء ما اعتبره كينان اعباء القطبية الثنائية، غير ان كل صانعي السياسة الخارجية الاميركية تقريبا ذهبوا الى ان الولايات المتحدة يجب ان تحتوى حلفاءها، كما تحتوى موسكو تماما، وبتوفيرها الامن لبريطانيا وفرنسا، وخاصة المانيا واليابان، وبدفاعها عن وصولهم الى المصادر الاقتصادية والطبيعية الواسعة الانتشار، وبتشبيك سياساتهم الخارجية والعسكرية في اطار التحالفات التي سيطرت عليها الولايات المتحدة فان واشنطن بذلك حالت دون صعود هذه القوى العظمى السابقة كفاعلين مستقلين، ومن المنظور الاميركي الحيلولة ايضا من اتباع هذه القوى سياسات خارجية غير مستقرة ان «استراتيجية الطمأنة» هذه استخداما للتعبير المفضل من قبل صانعي السياسة، «سمحت بمستوى غير مسبوق من التعاون السياسي والاقتصادي بين دول اوروبا الغربية وشرق آسيا. وكما لوحظ فان سياسة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة استهدفت تأمين وضعيتها المتفوقة. وقد اكدت تقديرات البنتاجون فيما بعد الحرب الباردة حول احتياجات الامن القومي على ضرورة ان تبقى اميركا على تطويق حلفاء الحرب الباردة مع الاستمرار في المستويات العسكرية لهذه الحرب، على الرغم من ان التهديد ضد هذه التحالفات قد اختفى. وقد ذهب بعض النقاد الى ان هذا الوضع قد يكون نتيجة الجمود البيروقراطي او نتيجة غيرة المؤسسة العسكرية التي تريد الحفاظ على دورها ولكن في الحقيقة فانه مما يعطي الاستراتيجية الاميركية منطقا معقولا، والتبرير لاستمراريتها ان انهيار الاتحاد السوفييتي لم يغير الاقتناع لدى الكثير من صانعي السياسة الاميركيين بان الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي يقوم على احتفاظ الولايات المتحدة بتفوقها (او حسب المقولة الرسمية «زعامتها») على القوى العظمى الصاعدة وان هذا يعني تحسين اوضاع امن تلك القوى. وتمثل المسودة التي غدت الان سيئة السمعة للبنتاجون (والتي اعدت باشراف مساعد وزير الدفاع الاميركية الحالي، ولفوويتز) والتي تم تسريبها الى صحيفة «النيويورك تايمز» عام 1992 وسادتها لغة غير دبلوماسية الاساس الذي رسم طويلا استراتيجية واشنطن ـ فالولايات المتحدة وفقا لهذه المسودة، يجب ان تواصل سيطرتها على النظام الدولي وتثبيط عزيمة الدول الصناعية المتقدمة عن تحدي القيادة الاميركية او الطموح لدور اقليمي او عالمي اوسع ولتحقيق ذلك فان الولايات المتحدة يجب الا تفعل شيئا سوى الاحتفاظ بمسئولية حق اعلان الاخطار التي تهدد ليس فقط مصالحنا وانما ايضا مصالح حلفائنا او اصدقائنا او تلك التي يمكن ان تنذر بخطر على استقرار العلاقات الدولية. بعبارة اخرى، فان الولايات المتحدة يجب ان تمد حلفاءها بما اطلق عليه احد معدي المسودة وهو الان مساعد خاص لرئيس المجلس الامن القومي اشراف الكبار فالولايات المتحدة لايجب ان تفرض حمايتها العسكرية على اوروبا وشرق اسيا فقط، وهي المناطق المكونة من دول غنية وذات تقنيات متطورة ولكن ايضا تحمى المصالح الدولية لاوروبا وشرق آسيا ولذلك فان هذه الدول ليست في حاجة الى تطوير قدراتها العسكرية القادرة على حماية «مشروع القوة العالمي»، حسب توصيف جابربيل روبين الممثل الفرنسي السابق في الناتو، والذي اعترف بان الولايات المتحدة تتزعم الوظيفة الحقيقية لحلفائها، وتعمل كـ «وصيفة» لاوروبا، وهذه حسبما يقول روبين من الوسائل التي تمنع بها اوروبا من تأسيس نفسها كحصن مستقل او ربما في يوم من الايام كمنافس. واولئك الذين يجادلون بان الانفاق على الامن القومي الاميركي يعد مرتفعا للغاية مما ادى الى نهاية الحرب الباردة غالبا ما يفشلون في ادراك طبيعة المهمة التي حددتها واشنطن لنفسها ذلك ان اشراف الكبار على العالم مهمة هائلة ومكلفة ومعقدة، وهي تعني بالضرورة ان الولايات المتحدة يجب ان تنفق اكثر على قوتها العسكرية مما قد تنفقه الدول التسعة مجتمعة بما فيهم روسيا، اليابان، الصين، فرنسا، بريطانيا والمانيا. ان استراتيجية اشراف الكبار تستلزم حسابا غريبا ومبهما بشأن حالة العالم على سبيل المثال فانه على الرغم من ان معظم الاميركيين قد يعتقدون ان اعادة توحيد شطري كوريا سيكون بلا نقاش في صالح الولايات المتحدة فان مستشار الامن القومي الاميركي السابق زبجينو بريجنسكي في كتابة الصادر 1997 «رقعة الشطرنج الكبرى» (الذي يعد تقريبا العمل الاكثر صراحة في شرح استراتيجية الولايات المتحدة فيما بعد الحرب الباردة) يوضح مرارا وتكرارا كيف ان هذا التطور يمكن في الحقيقة ان يربك استراتيجية اميركا احادية القطبية انه يمكن حسبما يذهب، وفيما يعكس وجهات نظر سيطرت طويلا وبشكل واسع على دائرة صناعة القرار الاميركية ان يؤدي الى انتفاء الحاجة المزعومة للقوات على شبه الجزيرة الكورية والتي يمكن ان تؤدي الى انسحاب الولايات المتحدة من شرق اسيا ويمكن ان تؤدي في المقابل الى يابان ذات اكتفاء عسكري ذاتي اكبر، وهو ما يمكن بدوره ان يسفر عن تنافس سياسي واقتصادي وعسكري بين دول المنطقة ولهذا فان الموقف الافضل هو الوضع القائم حاليا في كوريا والذي يسمح للقوات الاميركية بالتركز بشكل غير محدد. وعلى نحو مشابه واكثر الحاحا يتماثل الموقف بالنسبة للحرب الدائرة حاليا ضد الارهاب وسياسة واشنطن تجاه منطقة الخليج فلماذا تتورط الولايات المتحدة بهذا القدر في المنطقة؟ الكثيرون يرددون تعليقا لجيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي خلال حرب الخليج الثانية والذي يمكنه ان يلخص في كلمة واحدة هي «النفط» هذه الاجابة كانت ولاتزال تعد حقيقية ومضللة في آن واحد فأغلب نفط الولايات المتحدة يأتي من الاسكا وكندا والمكسيك وفنزويلا، ونحو 25% من واردات النفط الاميركية تأتي من منطقة الخليج واذا ما تبنت الولايات المتحدة استراتيجية طاقة وطنية فانها يمكن ان تطلق سراح نفسها من الاهتمام بالنفط الخليجي ومع ذلك فان واشنطن تزعم مسئوليتها عن استقرار المنطقة بسبب اعتماد اوروبا الغربية واليابان الكبير على نفط الخليج، وكذلك ما سيؤول اليه الصين قريبا في ظل معدلات النمو الاقتصادي السريع بها وتسعى الولايات المتحدة لان تعرقل هذه القوى عن تطوير وسائل حماية هذا المصدر لنفسها ففي مقابلة مع الراديو العام الوطني في اكتوبر الماضي شرح والتر راسل محلل السياسة الخارجية بمجلس العلاقات الخارجية، اساس سياسة الولايات المتحدة حسب المصطلحات التي استخدمها مسئولو ومخططو هذه السياسة لعدة سنوات وهي تمثل في: نحن لا نحصل على نسبة كبيرة من نفطنا من الشرق الاوسط، فاليابان تحصل على اكثر منا بكثير، واحد اسباب افتراض دورنا كشرطي المطنقة يتعلق بجعل اليابان وبلدان اخرى تشعر باطمئنان بشأن تدفق نفطها ولهذا فانهم لن يشعروا بحاجة كبيرة لانشاء قوة عظمى وقوات مسلحة، ومذهب امني، ولن نبدأ في مواجهة المزيد من القوى العظمى مع مصالح متعارضة، ترسل قواتها في مختلف انحاء العالم. ومع انه قد يكون هناك منطق خاص لذلك الفهم، فان استراتيجية التفوق الاميركية تبدو مغرية وعموما فان ذلك يعني ان الولايات المتحدة يمكن ان تكدس كل ما يمكنها من القوة وبهذه الطريقة فان الاطار الجوهري لهذه الاستراتيجية مشابه لموقف شركة في سوق احتكارية، فهي تدفع بمنافسيها الى خارج السوق اكثر مما تغامر بارباحها في بيئة تنافسية ونظريا، فإنه اذا استطاعت دولة ان تجعل من نفسها القوة العظمى الوحيدة ـ والاحتفاط بذلك ـ في النظام الدولي، فانها يمكن ان تتمتع بشيء قريب جدا من الامن المطلق، ولكن كما يبين التاريخ فانه عندما تسعى دولة الى ان تكون قوية اكثر من اللازم فان الآخرين يخشون بشكل كبير من ان تعظم من شأنها على حساب وجودهم وحسبما ذكر كيسنجر مؤخرا فان الامبراطوريات المهيمنة تولد مقاومة آلية عالمية ولهذا فان كل من يدعي ذلك يستنزف نفسه ان عاجلا أم آجلا. حتمية التغيير إن صعود قوى عظمى جديدة يعد امرا حتميا والولايات المتحدة تعمل بسياساتها من هذه العملية فاذا ما واصلت واشنطن اتباع استراتيجية «اشراف الكبار» بمعاملة حلفائها كمراهقين غير مسئولين، والصين وروسيا كاعداء مستقبليين يجب قمعهم، فإن علاقاتها مع هذه القوى العظمى الصاعدة ستكون خطرة جداً، حيث سيلتحمون ضد ما يرونه تهديداً أميركيا، لكن هذا ليس هو أسوأ نتيجة يمكن تصورها. فماذا لو ان الصين ناقمة مستاءة اصطفت مع الجماعات الاسلامية المتشددة، مثل هذا الموقف يعد أبعد ما يكون عن الوقوع، غير ان الشركاء يمثلون تحالفات ليس ببسب صداقات أو قيم مشتركة تجمع بينهم ولكن بسبب خشيتهم من طرف آخر أكثر من خشيتهم من بعضهم البعض. ان استراتيجية التفوق تعد عبئاً وذات خطورة، ولذلك فإن الوقت مناسب لصانعي السياسة الأميركية لتبني استراتيجية كبرى مختلفة تماماً، وأحد هذه الاستراتيجيات تلك التي تدعى «الموازن البحري» بدلاً من الخوف من استراتيجية تعدد الأقطاب فالأولى تحتوى الثانية، انها تعترف بأن عدم الاستقرار الناتج عن صعود وسقوط القوى العظمى، وتنافس هذه القوى، وفوضى النزاعات الاقليمية يعد أحد الحقائق الجيوسياسية للحياة، وتقر هذه الاستراتيجية بأن الولايات المتحدة لا يمكنها ان تحول دون صعود قوى عظمى أخرى سواء ضمن المجال الأميركي الحالي (الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، اليابان) أو خارجه (الصين، وروسيا الصاعدة)، وبدلاً من استنزاف مصادرها والتعرض للانتقادات، أو الأسوأ بالابقاء على هذه الكيانات ضعيفة، فإن الولايات المتحدة يمكن ان تسمح بتطوير قدراتهم العسكرية بما يمكنهم من الحفاظ على أمنهم القومي والاقليمي، وفيما بينها فإن هذه الدول سوف تحافظ على التوازن ويمكن لها متابعة صعود أية طموحات عالية أو اقليمية للقوى، وتؤدي إلى استقرار أوروبا وشرق آسيا والخليج، وسوف يكون من الطبيعي لها ان تفعل ذلك. إنه من الأكثر أمناً دائماً والأرخص ان تجعل الآخرين يساهمون في استقرار المناطق المضطربة من العالم، ومع ذلك فإن هذا الأمر تاريخياً ما كان أحد الخيارات، ذلك انه إذا كان هناك طرف يعيش في جوار خطر فإنه يجب ان يعد لحماية نفسه من مثيري الاضطرابات بدلاً من الاعتداء على آخرين للقيام بذلك، وفي الحقيقة فإن القوى العظمى الوحيدة في التاريخ المعاصر الني نجحت في تحويل مهمة الحفاظ على الاستقرار الاقليمي للآخرين هما: بريطانيا اثناء عنفوان قواتها العظمى (1700 ـ 1914) والولايات المتحدة (حتى 1945) وقد كانتا قادرتين على ذلك بسبب تمتعها بخندق مائي.. واحد ضيق لانجلترا واثنين كبيرين للولايات المتحدة، ما جعل من القوى العظمى الأخرى الأوروآسيوية في وضع حرج. وكموازنين بحريين فإن بريطانيا والولايات المتحدة حصدا استراتيجية هائلة، فبينما تمكنا من حماية أقطارهما من التهديد بسبب جغرافيتهما، فإن لندن وواشنطن استطاعا الاحتفاظ بقدرات عسكرية أقل من تلك التي لدى القوى القارية، والتركيز بدلاً من ذلك على النحو الاقتصادي وغالباً ما استطاعت البقاء بعيداً عن اضطرابات أوروبا كلية، وفيما كانت القوى الأخرى تخوض حروباً منهكة استطاعا الاستمرار في تعزيز قوتهما وحتى في أوقات الحرب فإن الموازنين البحريين تمتعا بمزايا لم تكن لدى القوة القارية، فبدلاً من ارسال جيوش كبيرة للحرب لخوض حروب قارية مكلفة، فإن بريطانيا على سبيل المثال، اعتمدت على بحريتها في حصار هذه الدول ومواجهة مساعيها للسيادة على أوروبا، واعتمدت على قوتها المالية لتمويل التحالفات ضدهم. وقد اتبعت الولايات المتحدة استراتيجية مماثلة خلال الحرب العالمية الثانية فمنذ 1940 حتى 1944 حصرت دورها في الحروب الأوروبية في تقديم المساعدة الاقتصادية والذخيرة للاتحاد السوفييتي وبريطانيا، وبعد ذلك دخلت الحرب في ديسمبر 41 بقصف جوي محدود الأهمية الاستراتيجية على ألمانيا، وحملات أرضية هامشية في شمال أفريقيا وايطاليا، لقد كانت الولايات المتحدة «سعيدة» بتأخير غزو أوروبا حتى يونيو 1944 حيث انه حتى ذلك الوقت فإن الجيش الأحمر الذي تكلف نحو 88% من الخسائر خلال الحرب أضعف ألمانيا بشدة ولكن بتكلفة مذهلة. استراتيجية الموازن البري بأخذهما في الاعتبار فإن تجربتي بريطانيا وأميركا تبرزان شكل استراتيجية «الموازن البري» انها تسمح بتحويل العبء، فبدلاً من عبء المشاركة، فإن الموازنين البريين يمكن ان يكونا متفرجين في المراحل الأولية للنزاع، ولأن أمن الآخرين يواجه خطراً آنياً، فإن الموازن البري يستطيع ان يكون واثقاً من ان هؤلاء الآخرين سوف يحاولون الدفاع عن أنفسهم، وهم سيفعلون ذلك بشكل عاجل متداركين تدخل الموازن البري، وإذا ما بدا على جانب آخر ان هناك سيطرة سوف تكسب فإن الموازن البري يمكن ان يتدخل بشكل حاسم لاحباط نصرها (كما فعلت بريطانيا ضد فيليب الثاني، ولويس الرابع عشر ونابليون) وإذا ما وجب على الموازن البري التدخل فإن القوة التي تطمح للسيطرة ستدمى بعض الشيء ولن يكون الأمر هائلاً كما هو لأولئك الذين جعلهم حظهم الجيوسياسي السييء خط الدفاع الأول. الآليات نفسها تنطبق، إذا ما وفرت لها الولايات المتحدة الفرصة على النزاعات الاقليمية على الرغم من انها ليست مأساوية بالقدر نفسه، فالقوى العظمى التي تقع قرب جيران مستائين، أو تلك التي تعتمد اقتصادياً على مناطق غير مستقرة، لديها مصلحة أكبر من الولايات المتحدة في التعامل السياسي مع هذه المناطق، ان معظم التوازنات الاقليمية (كالحال بين رومانيا والمجر أو بين دول جنوب الصحراء) لا تتطلب اهتمام أو قلق الولايات المتحدة. ان واشنطن يجب ان تتدخل فقط لكي تمنع قوة واحدة من السيطرة الاستراتيجية على منطقة حيوية، وهذا أيضاً يجب ان يتم فقط في حالة إذا ما فشلت جهود القوى العظمى ذات المصلحة في هذه المنطقة في اصلاح حالة عدم التوازن، ولذا فإنه لكي تطبق استراتيجية «الموازن البري» فإن العالم يجب ان يكون متعدد الأقطاب، ولهذا يجب تواجد قوى عظمى عديدة، وقوى اقليمية رئيسية أيضاً، وهو وضع يمكن للولايات المتحدة من خلاله نقل عبء الحفاظ على الاستقرار في اجزاء مختلفة من العالم. والقضية الأكثر اهمية بالنسبة للولايات المتحدة في اطار الحديث عن الاستراتيجية الكبرى هي صيغة العلاقات مع هذه القوى العظمى الجديدة، ففي العالم متعدد الاقطاب ستكرس القوى العظمى الصاعدة سياسات الأمن الخارجية والوطنية لمواجهة المنافسين وقمع واحتواء عدم الاستقرار الاقليمي، وهنا فإن استراتيجية الموازن البري تعد بالطبع انانية وانتهازية ولكنها تمارس ضبطاً للأوضاع وتفرض الاحترام السياسي، وبالتخلي عن استراتيجية التفوق، فإن الولايات المتحدة يمكن ان تقلل من أخطار المواجهة المفتوحة مع القوى العظمى الجديدة.وعلى الرغم من ان التسابق على المميزات يعد احدى حقائق الحياة للقوى العظمى، فإن «أنصار» استراتيجية الموازن البحري يريدون تعزيز قوة أميركا النسبية وأمنها، ولكنهم يهدفون أيضاً إلى تعظيم الفرصة للولايات المتحدة في ان تكون ذات علاقات مستقرة مع القوى العظمى الأخرى. بهذا المعنى وجدت هذه الاستراتيجية تطبيقها خلال حكم نيكسون من خلال نظرية كيسنجر حول «الانفراج الدولي» لقد كانت هذه السياسة بمثابة انتقال واضح من نهج الحرب الباردة السابقة، ومن خلالها اعترفت الولايات المتحدة بشكل واضح بالاتحاد السوفييتي كمتعاون أكثر منه كمتحد لجهود الحفاظ على الاستقرار في النظام الدولي، ولفهم هذا التحول الدرامي فقد جاء مناقضاً لخطاب تنصيب جون كينيدي والذي قدمت فيه الليبرالية المثال الأعلى للحرب الباردة باثارة الحماس والرؤية الخطرة والتي مؤداها انه في اطار الصراع مع الشيوعية فإن الولايات المتحدة يمكن ان تدفع أي شيء وتتحمل أي عبء، في حين ان الخطاب الأول لتنصيب نيكسون اعلن من خلال الرسالة الواقعية ولكن التصالحية ومؤداها: نحن لا يمكن ان نتوقع ان نجعل كل طرف صديقنا ولكن يمكننا محاولة الا نجعل لنا عدواَ» لقد كان هذا هو شعور السلام المفعم بالحياة. وكان هذا الانفراج يقوم على فرضية (متنازع عليها في ذلك الوقت) قوامها ان الاتحاد السوفييتي لن يرحل، لأن القوى العظمى المنافسة لا يمكن ان يتم احلالها من دون تدمير الانسانية، ولهذا وكما أعلن كيسنجر «لا خيار سوى التعايش» فالانفراج، حينئذ، كان استراتيجية لادارة علاقة دائمة، ومن خلالها كان نيكسون وكيسنجر يأملان في تطوير علاقة ناضجة بمقتضاها كل منهما (موسكو وواشنطن) بمصالحهما الشرعية، وألا يسمحا للخلافات ان تسمم علاقتهما، لقد كان الاتحاد السوفييتي والصين يتقاربان ليس على أساس ايديولوجي ولكن كأطراف ناضجة ومعهما كان يجب على الولايات المتحدة جعل أرضية كبيرة للمصلحة المشتركة. التعامل مع الآخرين وبالطريقة نفسها فإن استراتيجية الموازن البري سوف تفرض على الولايات المتحدة لكي تتعايش مع القوى العظمى الصاعدة، أو ان تتمتع بعلاقات تعاونية معهم ان تبدأ التعامل مع هذه القوى كرفقاء ناضجين، وهذا يعني قبولهم كأنداد والاقرار بمصالحهم القومية المشروعة، بعبارة محددة، هنا تتحدد كيف يمكن ان تطبق استراتيجية الموازن البحري على حالات محددة. فبالنسبة لروسيا اليوم فإنها ليست المرة الأولى في تاريخها التي تكون فيها في وضع سييء وخارج نطاق كونها قوة عظمى، لكنها تعرضت لذلك من قبل ، ومن المحتمل ان تفعل ذلك ثانية، علاوة على ذلك فإن روسيا حليف حيوي محتمل للولايات المتحدة في ثلاث مناطق، هي أوروبا (في مواجهة دولة أوروبية كبرى أو ألمانيا حال فشل الاتحاد الأوروبي) شرق آسيا: في مواجهة الصين، والخليج ووسط آسيا، وكموازن بري فإن على الولايات المتحدة التخلي عن خطط توسيع الناتو، الأمر الذي تنظر إليه روسيا على انه تهديد استراتيجي وإذا ما قررت واشنطن تقليص برنامجها الوطني للدفاع الصاروخي، فإنها يجب ان تتبع ذلك بتطبيق الاتفاق الأخير بخفض كبير في ترسانتها النووية لطمأنة روسيا والصين بأنها لا تريد ان يكون لها ميزة الضربة الأولى، ويجب ان تسمح لروسيا بممارسة نفوذها على مجالها الحيوي في الشيشان وآسيا الوسطى حيث تخوض حرباً ضد الاسلاميين الأصوليين، وكذلك في اجزاء من أوروبا الشرقية، وفي الدول التي كانت تشكل فيما سبق الاتحاد السوفييتي، ان المجال الحيوي للولايات المتحدة يمتد من القطب الشمالي الكندي إلى تيرا ديل فويجو ومن ميريلاند إلى جوام، وبالتأكيد يمكن لنا قبول تمتع قوى عظمى أخرى بدوائر نفوذ في مناطقهم الخاصة. أما فيما يتعلق بالصين فإن الولايات المتحدة يجب ان تعترف بأن قضية تايوان تعد قضية صينية داخلية، ووضع تايوان المتنازع عليه هو نتاج ارث الحرب المدنية هناك عام 1949 ومن المهم هنا التذكير بأنه قبل اندلاع الحرب الكورية فإن دين اتسيسون وزير الخارجية نصح بأن تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن العمل غير المنتهي بخصوص الحرب الأهلية الصينية وان تترك تايوان لمصيرها. وبعد نصف قرن فإنه قد جاء الوقت أخيراً لكي تفعل الولايات المتحدة ذلك ان واشنطن يجب وبشكل أساسي ان تعيد النظر في تصورها الذي يذهب إلى ان الصين تشكل تهديداً، فالصين والتي تعد الدولة الأكبر والأقوى فعلياً في شرق آسيا تبحث عن دور واضح عسكرياً وسياسياً واقتصادياً في المنطقة، وتريد ان تنهي أميركا تواجدها الاستراتيجي الحالي هناك. ويجب ان تكف الولايات المتحدة عن نقدها لسياسة حقوق الانسان الصينية، ببساط فإن واشنطن لا يمكن ان تحول الصين الى الليبرالية والسوق الحرة والديمقراطية ولن يؤدي الضغط الأميركي سوى إلى الاحتكاك في العلاقات الصينية الأميركية. بشكل عام فإن استراتيجية الموازن البحري تعني التخلي عن المثالية في الاتجاه الأميركي بشأن ما اصطلح على توصيفه بالترتيبات الداخلية في الاقطار الأخرى ويجب ان تتضمن اعلان خياراتنا السياسية العملية النابعة من مصالحنا الذاتية كما هي دون ان نكسوها بالايثار أو المثالية.ان السعي لاحداث تغيير في القيم الأساسية للأمم الأخرى للتشابه مع الولايات المتحدة يعد هدفاً غير مقبول للسياسة الخارجية، وسياسة الموازن البري سوف تقبل الأمم الأخرى على ما هي عليه أو حسبما جعلهم تاريخهم. أما فيما يتعلق بأوروبا فإن الولايات المتحدة سوف تدعم جهود الاتحاد الأوروبي والتي تعارضها واشنطن الآن للحصول على القدرات العسكرية التي تحتاجها للدفاع عن مصالحها المستقلة عن الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة يجب ان تبدأ انسحاباً ملموساً من الالتزامات الأمنية الأوروبية، ان الكثير من صانعي السياسة الأميركيين يجادلون بأن الأوروبيين أظهروا عدم المقدرة (خلال أزمة البلقان على سبيل المثال) على التصرف بفاعلية بدون زعامة الولايات المتحدة، غير ان هذا الطرح افتراضي، فمن يستطيع لوم الأوروبيين على عدم مقدرتهم على طمأنة أنفسهم بشأن المسائل الأمنية إذا كانت واشنطن اعاقت لعقود المبادرات الأوروبية لجعل هذا الأمر ممكنا، ان استراتيجية الموازن البري سوف تقضي بأن المصلحة الاستراتيجية لأميركا في أوروبا لن تتطلب التدخل في كل حدث غير موات هناك، ان فوضى البلقان والمواقع الأخرى على الأطراف الأوروبية يجب ان تكون مسألة أوروبية ولأوروبا اختيار وسائل مواجهتها أو عزلها أو حتى تجاهلها.ويجب ان تتبع الولايات المتحدة السياسة نفسها فيما يتعلق باليابان ان واشنطن يجب ان تعلن لليابان اعتزامها انهاء تعاونها المتبادل ومعاهدات الأمن خلال فترة محددة (البعض يقول خمس سنوات) بعدها يمكن لليابان في مدى قد يتجاوز خمسين عاماً، ان تصبح دولة سياسية مستقرة تطور ما تراه من وسائل عسكرية ضرورية لحماية وضعها كقوة عظمى مستقلة، وسوف تؤسس استراتيجية الموازن البري على حقيقة بسيطة وهي ان الدول الأخرى لها على الأقل نفس ما للولايات المتحدة من الممرات البحرية الآمنة، وحق الوصول إلى المصادر والاستقرار الاقليمي.ويوفر الاعتراف بشرعية مجالات التأثير للقوى العظمى الأخرى للولايات المتحدة ميزة استراتيجية أخرى وتقدم لنا أوضاع منطقة الخليج وآسيا الوسطى التفسير، ذلك ان الصين وروسيا قلقتان بشكل كبير من انتشار الأصولية الاسلامية في مجالاتهم، ففي الشيشان وآسيا الوسطى (حيث تساعد القوات الروسية في الدفاع عن الجمهوريات السوفييتية السابقة.. أوزبكستان وطاجيكستان) والقوقاز خاضت موسكو حملات عسكرية عدة لكي تحمي جناحها الجنوبي ضد المقاتلين الاسلاميين، كما تواجه الصين أيضاً الاضطراب الناتج عن تحريض الانفصاليين الاسلاميين في منطقة كسيجيانج، وفي يونيو قبل الماضي دخلت بكين وموسكو في علاقة أمنية ممثلة في منظمة شنغهاي للتعاون والتي تضم أيضاً ثلاثا من دول الاتحاد السوفييتي السابق، لتنسيق الجهود لمواجهة التهديد المشترك لأمنهما المممثل في الجماعات المتشددة وعلى المنوال نفسه فإن الهند التي تعد قوة عظمى محتملة مستقبلاً تخوض مواجهة مع الارهابيين الاسلاميين في كشمير الذين يشنون حرباً بالوكالة لمصلحة باكستان، لانتزاع كشمير المتنازع عليها في نيودلهي. ببساطة ولأسباب تتعلق بالأمن والوصول إلى النفط فإنه لدى كل من روسيا والصين والهند وأوروبا الغربية واليابان أسبابهم القوية أكثر من أميركا لتهدئة الأوضاع في آسيا الوسطى والخليج وبتبين استراتيجية الموازن البري فإن الولايات المتحدة سوف تدفعهم للعمل على تحقيق ذلك. تصدير الأعباء ان السماح بنقل الاعباء سيساعد الولايات المتحدة على الخروج من الطريق المسدود بما يؤمن لها تحقيق وعودها بشأن الوضع في أفغانستان، وقد أكدت التحديات السياسية والعسكرية للحرب مدى الصعوبة والتكلفة في استعادة النظام هناك، وفي المنطقة عندما يتوقف القتال، وعندما تحقق الولايات المتحدة اهدافها العسكرية في أفغانستان فإنها يجب ان تعلن عن انسحاب محدود من التزاماتها الأمنية في المنطقة، وتحول المهمة الصعبة في تحقيق الاستقرار هناك إلى آخرين. والتعقيدات المتضمنة في هذه المهمة عديدة واستراتيجية «الأسبقية» لواشنطن والتواجد العسكري المصاحب لها في المنطقة يعد في حد ذاته مصدراً لعدم الاستقرار خاصة بالنسبة للأنظمة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة، فالنظام في باكستان على سبيل المثال يواجه وضعاً مشكوكاً فيه فنظراً لارتباطه الوثيق بواشنطن فإن ذلك يولد معارضة وطنية وإسلامية بمختلف انحاء البلاد لهذا السبب لا يوجد من بين الأنظمة الاقليمية في التحالف الحالي من يمكن ان يكون حليفاً موثوقاً فيه. فبعضهم يسمح فقط بناء على الضغط الهائل للقوات الأميركية بشن هجمات على أفغانستان من القواعد الموجودة على أراضيهم وكان الخوف من الغضب الشعبي على الحملة الأميركية، وان يولد انفجاراً سياسياً داخلياً، السبب في دفع الكثير من هذه الدول للضغط على واشنطن لانهاء الحملة بأسرع ما يمكن. وإذا كان يتعين على الولايات المتحدة ان تبقى في المنطقة بشكل غير محدد فإنها يجب ان تدعم هذه الأنظمة غير الشعبية أو الفاشلة فلوقف الانهيار في باكستان يجب على واشنطن ان تقدم لها بلايين الدولارات كمساعدات مباشرة أو غير مباشرة. وأخيراً فإنه إذا ما استمرت الولايات المتحدة في لعب دور الشرطي الاقليمي فإنها تأخذ على عاتقها عبئاً سيقابل بنكران الجميل ومشكوكاً في نجاحه على الأرجح لوضع أفغانستان على الطريق السليم، فأفغانستان المقسمة عرقياً ولغوياً وعشائرياً، لن تتفق فصائلها الداخلية على مستقبل التنظيم السياسي في البلاد، فضلاً عن ذلك فإن القوى الخارجية ذات الأهداف المتنازعة بشأن مستقبل البلاد تعقد أي ترتيب لهيكل افغانستان السياسي. وإذا كان هناك مكان ينبغي على الولايات المتحدة ان تنقل مسئوليات الأمن فيه إلى آخرين فهو جنوب غرب آسيا. ومرة ثانية فإن أوروبا الغربية واليابان وروسيا والصين والهند لديهم مصالح أمنية واقتصادية كبيرة في مقارنة بمصالح للولايات المتحدة، وإذا ما انسحبت أميركا سوف يقومون بدور الشرطي لأنه ليس أمامهم غير ذلك. وفي النهاية فإنه على الرغم من ان البعض ينتقد سياسية استراتيجية الموازن البري ويصفها بأنها انعزالية فإنها بالتأكيد ليست كذلك، أو بالأحرى فإن مبدأها التوجيهي واضح، وهي واقعية ذات رؤية محددة، سياسة قابلة للتطبيق، عملية، سهلة، متحينة للفرص، ولكنها أيضاً تحقق لأميركا علاقة طبيعة تحظى بالتقدير مع القوى العظمى الأخرى، فيما تتخلى الولايات المتحدة عن اغراءات الهيمنة، فالقوى العظمى الناضجة حسبما كتبت ليبمان عام 1965، هي تلك التي ترشد من استخدامها لقوتها. وتتحاشى الاستراتيجية نظرية الواجب العالمي أو الكون، والتي لا تلزمنا فقط بالحروب والتدخلات غير المنتهية، ولكن تشوه تفكيرها بوهم انها ملتقى الاستقامة، اننا نفضل تعلم كيف نتصرف كقوة عظمى، والتخلص من الدور العالمي ، والذي لا يربطنا فقط بكل مكان، ولن يقوم أيضاً على الفكرة العقيمة والتي مؤداها انه إذا لم نحفظ نظام العالم بأي شكل وبأي كلفة، لا يمكننا ان نعيش في العالم بأمان. في العالم الحقيقي يجب على أميركا ان تتعلم كيف تعيش كقوة عظمى تدافع عن نفسها، وتشق طريقها بين القوى العظمى الأخرى. ترجمة: مصطفى عبدالرازق عن «أتلانتيك أون لاين»