لا ادري ما الذي يجب على المرء ان يدركه بعد تجربة طويلة في مجال ما؟.. ولا كيف للوعي الادائي ان ينمو دون تمحيص للواقع واعادة النظر في الماضي؟ ولا كيف للفنان ان يقرر استمراره دون ان يكون مسلحاً باحساس جديد، ورؤى تواكب المشهد الفني، ليس من باب المسايرة، بل من زاوية التجديد والوصول الى اعمق نقطة في عالم الثراء السينمائي والفكري والانساني. فبعد دعاية ضخمة وانتظار زاد على العامين يطل علينا الفنان عادل امام بفيلمه «أمير الظلام» لنفاجأ به خالياً من اي جديد وخاويا من اية دهشة تعيد مكانته الى قلوبنا مرة اخرى، فالذي قدم طيور الظلام، والنوم في العسل، والارهاب والكباب هو نفسه الذي قدم امير الظلام بكل ملامح الشخصية ومحوريتها وزعامتها «عمال على بطال» ودورها الخرافي لنصرة الحق، ودفع الظلم عن الغلابة، وان كانت هذه المرة عن العميان، كذلك نفس عبارات الوعظ والتألم لعذاب المقهورين من قبل المسئولين، عدا رأس السلطة الذي اصبح مغازلتها «لزمته» الاثيرة. باختصار شديد نحن امام نسخة مكرورة لم تضف إلا رقما لرصيد افلام عادل امام. القصة تدور حول كفيف مشاغب ينتهي به الامر الى احدى دور المكفوفين التي يرأسها يوسف داوود وهو رجل صارم يعامل نزلاءه بقسوة، فيستفز سعيد المصري «عادل امام» فيقرر التصدي له من خلال مواقف مليئة بالتهريج واستخفاف الدم، لكن سعيد الذي يؤمن بالحرية يتسرب من سلم السطوح ليدخل احد البارات ليعزف ذات مرة على البيانو فتعجب به النحاتة عالية «شرين سيف النصر» وتهديه وردة، لتكتشف في الوقت نفسه انه ضرير فيزداد تعلقها به بدون سبب ولا منطق، ولا ندري لماذا تعمد المخرج «رامي أمام» كشف عمى سعيد المصري في هذا المشهد بالذات، لان جل مشاهد الفيلم لم تقنعنا بتاتا بأنه ضرير، فهو يتحرك ويمشي ويتصرف كالمبصرين تماماً حتى كدنا نصدق ان عماه مجرد حيلة سوف تنكشف في نهاية الفيلم، لكن هذا لم يحدث، لنعثر على احد تلفيقات السيناريو لاختلاق علاقة عاطفية من لاشيء. ونعيش النصف الاول من الفيلم مع مواقف عديدة تطفح بالحركات المملة والضحك المصطنع رغبة في كشف المفارقات الهزلية التي تصاحب المكفوفين حين يتصنعون بأنهم اسوياء، وهي مواقف تثير الضجر، وتبعث على الضيق، ومع تعالي الاحداث ننتقل الى الجزء الثاني من الفيلم، وكأننا امام فيلم آخر، حيث نعرف بوجود عصابة دولية تحاول اغتيال رئيس دولة اجنبية يزور مصر، وهنا تأكد لنا بأننا سوف نشاهد «رامبو العربي» وهو يذود عن حياض الوطن المتجسدة في السلطة، وان عادل امام يبدو انه لن يتنازل عن لقب «الزعيم» فحين يقتحم افراد العصابة دار المكفوفين لانه المكان المناسب لاغتيال الرئيس وهو يمر بموكبه، يستشعر سعيد المصري، بقدرة قادر وبدون دليل حقيقي ان خطراً ما يحيق بالرئيس، وكعادته يقتل هذا، ويحرق ذاك، اما «ماركوس» رئيس العصابة الذي وقف في نافذة الدار مصوباً بندقيته التلسكوبية فقد فوجيء بسعيد المصري ومكفوفيه في آخر لحظة وهم يقتحمون عليه الغرفة لافشال المهمة، فينجحون رغم انف المشاهد ويعلم الله ان المسافة بين باب الغرفة لحظة الاقتحام والنافذة كفيلة بقتل سعيد ومن معه، فكيف لقاتل محترف جاء من وراء البحار لكي يغتال ألا يجيد التعامل مع هذه المسافة المريحة، لكن كيف يحدث ذلك، والمطلوب عدم موت الزعيم، وهي تلفيقة اخرى للمخرج الابن، وينتهي الفيلم بقتل ماركوس، وتقليد سعيد المصري نيشان البطولة لدوره الكبير في انقاذ الوطن، وهو ضرير (!!!) هذا هو الفيلم الذي طال انتظاره، والذي يبدو فيه ان عادل امام يراهن على اصحاب الحرف الذين يصفقون للبطل النحيل الذي يضرب مئة والفاً، فما بالنا لو كان كفيفاً، الفيلم مليء بمشاهد بلهاء منها قيادة عادل امام لطائرة من باب تحدي اللمس، لتسقط الطائرة دون ان يحدث له شيء، ومن معه، كما ان عادل امام لم يتقن دور الاعمى كما اتقنه محمود عبدالعزيز في الكيت كات، أو صالح سليم في الشموع السوداء وغيرهما، كما ان لغته الكوميدية لم تتغير او تتطور ربما لخوفه من اتهامه بالتراجع عن منظومته ولوازمه القديمة. بالنسبة للممثلين فهم مجرد ظلال لشمس لا تدور إلا حول نفسها، وليتها تضيء شيئاً، اما الممثل يوسف داوود اتمنى من كل قلبي ان يتوقف عن اعجابه بضحكته البلهاء وفمه المفتوح بدون داع، كما ان اشراك شيرين سيف النصر لم يكن له اي حضور حقيقي اللهم ان جسدها الممشوق وعينيها الجميلتين النقطة الوحيدة التي اضفت على الفيلم مسحة من الشفافية والاثارة هي موسيقى خالد حماد الذي تعامل مع المواقف بحساسية موسيقية يحسد عليها. اخيراً لا اعتقد ان قصة تلاعب فيها اربعة مؤلفين يمكن ان تسفر عن شيء ممسوك وملموس، فالذي شاهدناه سمك لبن تمر هندي، لذلك يجب على عادل امام ان يعيد ترتيب اوراقه، وبدلاً من ان ينظر الى الخلف بانتشاء عليه ان ينظر الى الامام بحذر وحرص شديدين حتى لا يجرح تاريخه وحب جمهوره، فالبون شاسع بين الوجود والتواجد!! مجدي ابوزيد