اللحظة التي غادر فيها نهائياً مروج المخدرات برايان واتكيس منزله وهو مطأطئ الرأس كانت نهاية لمحنة استمرت اربعة اعوام، بالنسبة للصديقتين الجارتين بات وشارون اللتين تحديتا مروج المخدرات وعصابته وواجهتاه في محاولة لانقاذ الحي السكني الذي تقيمان فيه مع اطفالهما من التحول الى مرتع للجريمة. وشجاعة هاتين السيدتين جعلتهما هدفا للتهديد والاساءة فمدمنو المخدرات كانوا يبصقون في وجهيهما ويهددونهما بتفجير منزليهما واختطاف اطفالهما. وكانوا يقذفونهما بالطوب عبر نوافذ منزليهما ويرسلون لهما روث كلاب في صندوق البريد. لكن هاتين المرأتين الجريئتين رفضتا الاستسلام لحملات الترهيب تلك ما جعلهما تستحقان وسام الشجاعة من رئيس شرطة ستافوردشير. بيد ان بات وشارون لا تريان فيما فعلتاه بطولة او تميزا وانما موقف اخذتاه لحماية المجتمع الذي تعيشان فيه. وتشرح شارون انها وصديقتها لم تستطيعا الاستسلام لأن نعمة الامن والسلام سرقت من حياتهما ولذلك فقد كانتا عازمتين على استعادتها من اجل اطفالهما وايضا من أجل بقية سكان الحي الطيبين الذين كانوا يعيشون في خوف دائم. وشارع هنري والحي المحيط به بمنطقة ستوك اون ترينت ظل حياً هادئاً نظيفا الى ان اعلن مجلس البلدية عن خطط لبرنامج اسكان جديد في العام 1988 ما شجع العديد من سكان الحي القديمين على الانتقال، و سرعان ما اشترت منازلهم جمعيات اسكانية وتجار لا يفكرون الا بالربح السريع.ونتيجة لهذا التغيير حل نزلاء جدد في المساكن التي خرج اصحابها منها وكان هناك بون شاسع بينهم وبين السكان القدامى الذين جعلوا سابقا من الاقامة في هذا الحي امرا مريحا. وشارون برو لم تأبه كثيرا عندما سكنت جين بتلر المنزل رقم 7 بشارع هنري في عيد فالنتاين العام 1997، وشارون التي تبلغ من العمر الآن 31 عاما والتي تقيم في المنزل رقم 9 مع زوجها روي وطفليهما ليام وكايل كانت تأمل في ان تحصل على جارة لطيفة ودودة، ولكن بعد بضعة اسابيع لاحقة رأت شارون رجلا هزيلا غائر الوجنتين متورم العينين عفن الاسنان حليق الرأس قذر الثياب وتفوح منه رائحة نتنة يترنح في حديقة المنزل المجاور. وكانت شارون تأمل ان يكون مجرد زائر عابر ولكن لسوء حظها لم يكن الامر كذلك. فقد كان الرجل هو برايان واتكيس الخارج لتوه من السجن بعد قضائه مدة 18 شهرا في الاعتقال بتهمة حيازة المخدرات بهدف ترويجها والذي جاء للسكن مع صديقته جين بتلر. ووصول واتكيس للحي سجل بداية كابوس حي بالنسبة لشارون وعائلتها فقد كانت الموسيقى الصاخبة تصدح في منزل واتكيس ليلا نهارا ثم بدأت تسمع المشاجرات العنيفة بين واتكيس وصديقته من منزلها الامر الذي افزعها فقد ادركت سريعا انهما مدمنا مخدرات بمجرد سماعها لصراخهما وهما يطلبان جرعة تالية او اين يحقنان احدهما الاخر. وكان لدى جين بتلر اطفال صغار وكانت شارون تسمع بكاءهم وهم محبوسون في احدى الغرف الخلفية الامر الذي كان يحطم قلبها على حد قولها. بعد ذلك بدأت عصابات مدمني المخدرات تتسكع في الطرقات واحيانا ترى شارون ما يقارب التسعة منهم يجتمعون في منزل جارها المزعج طلبا للحقن المخدرة ثم يشتمون اطفالها ويخلفون وراءهم حقنا مكسورة، وهو الكابوس الذي عايشه اهالي الحي، والذي ارغم بعض العائلات على ترك الحي خوفا على اطفالهم. تاركين مدمني المخدرات واطفالهم يسرحون ويمرحون في الشوارع التي سرعان ما امتلأت بالسيارات المحروقة والحقن الملقاة على الارصفة. حتى ان احد اطفال شارون عثر في يوم ما على كيس هيروين وسط الشارع ولتوقها لاكتشاف المزيد عن جارها المجرم لجأت شارون لمكتبة الحي لاجراء بعض التحريات واكتشفت خبرا في الصحيفة المحلية اكد كل مخاوفها فقد ترك واتكيس وصديقته رجلا يموت على ارضية منزلهما اثناء جلسة تبادلوا فيها الحقن المخدرة دون ان يتصلا بالاسعاف او الشرطة بل تركاه يحتضر على مدى يومين وهو الامر الذي اشعرها بالاشمئزاز والغثيان والخوف مما يمكن ان يحدث لعائلتها. ظلت شارون تشعر بالعجز وانعدام الحيلة الى ان التقت بجارتها بات هيلاند وهي ام لثلاثة من الابناء الشباب في الخامسة والخمسين من العمر وتقيم مع زوجها ديفيد في المنزل رقم 13. وكانت معرفة شارون ببات سطحية سابقا لكن صداقة وطيدة جمعت بينهما بعد ان افضت احداهما للاخرى بهمومها ومخاوفها بشأن ما الت اليه احوال الحي. وكان معظم سكان الحي مذعورين من مدمني المخدرات الى حد العجز عن فعل اي شيء لكن الاثنتين قررتا خوض معركة لانقاذ الحي بعد ان تحول اسم شارع هنري لشارع الهيروين وانخفضت قيمة منزلهما من 27 الف جنيه الى 7000 جنيه وكانت معرضة للمزيد من الانخفاض. على مدى الاعوام الثلاثة التالية اصبحت الصديقتان بطلتي شارع هنري بعد شنهما حملة بلا هوادة للتوعية بالمشاكل التي تواجهها المنطقة. بعثت الاثنتان آلاف الرسائل لمدراء الجمعيات الاسكانية وملاك المنازل واعضاء البرلمان ورؤساء مجالس البلدية كما وافقت شارون على تركيب رجال الشرطة كاميرات فوق منزلها لمراقبة واتكيس وعصابته. وكانت شارون تسجل ارقام سيارات مدمني المخدرات من منزلها في حين ان صديقتها بات كانت تفعل الامر نفسه ولكن وهي واقفة على ناصية الطريق ما عرضها لغضب مدمني المخدرات الذين كانوا يتعرضون لها بالسب والتهديد دون ان تأبه بهم رغم انها شعرت في بعض الاحيان برغبة في الاستسلام والتخلي عن هدفها. وكلما انهارت معنوياتها تتصل بصديقتها فتمنحها دفعة معنوية اخرى. ولكن كان لشجاعتهما ثمن باهظ فقد بلغ حقد وكره المدمنين لهما حداً ان شارون ظلت حبيسة المنزل لمدة شهرين في مرحلة ما من حربها ضدهم بعد ان بصق بعضهم في وجهها وحطموا نوافذ منزلها وكانت حملة الترهيب ضدهما مستمرة. وفي احدى الليالي سمعت شارون رجلا من منزل واتكيس يقول انه سيطعن «روى» زوج شارون بحقنة قذرة وهو ما جعلها تطلب تركيب جهاز انذار موصل بمقر الشرطة في منزلها. بدأ المدمنون بعد ذلك يلقون حفاظات اطفال قذرة وروث كلاب داخل صندوق بريدها وبعد تزايد ضغوطهم ضدها أصبحت شارون تبكي طيلة الوقت وهو ما زاد من قلق وعزلة اطفالها: لكنها كلما انهارت تتلقى تشجيعاً من صديقتها بات التي تذكرها بأنهما ينبغي ان تواصلا حربهما. وأخيرا في اغسطس العام 2000 رفعت جمعية الاسكان التي تملك منزل واتكيس وبتلر دعوى ضدهما مستشهدة بأدلة شارون وبات وصدر ضد جيرانها امر باخلاء المنزل وبعد شهرين لاحقين غادر المدمنان المنزل وسرعان ما بدأ مدمنون آخرون في ترك المنطقة وآخرون ارغموا بعد ذلك على المغادرة. وقال متحدث باسم شرطة ستافوردستر انهم منبهرون ويكنون الكثير من الاحترام لها تين السيدتين الشجاعتين اللتين استخدمتا القانون لجعل حيهما السكني مكانا افضل للعيش بعد ان ساهمتا في اخلاء خمسة منازل كان يقطن فيها مدمنو المخدرات ما جعلهما تستحقان وسام الشجاعة. ومنذ ذلك الحين اطلقت شارون وبات برنامجا لمراقبة الامل في الحي وهما تقولان ان انجازهما الحقيقي ليس هو الفوز بالوسام ولكن استعادتهما لحي شارع هنري ونجاحهما في طرد المدمنين منه. ابتسام أحمد