يأخذنا هذا الفيلم الى العالم الذي اتقن رضوان الكاشف الغوص فيه، وهو عالم المحبطين والبائسين، وكعادة رضوان ورؤياه الخاصة يحيل هذا العالم ، رغم شجونه الى دنيا زاخرة بالأمل والابتسامة والغد المشرق وهو ما نلاحظه في اول افلامه «ليه يا بنفسج» فكل شخصياته تنبض بالحزن والتفاؤل معا، ويحاول الكاشف ان يجعل المتفرج يتعاطف مع اخطاء ابطاله لان ملامحهم قريبة من عالمه. وتدور قصة الفيلم حول منصور بهجت «محمود عبدالعزيز» الذي اعتزل عالم الالعاب السحرية، ليتحول الى ساحر قطاع خاص يتبنى نظرية «البهجة» حيث يزرع الفرح والبهجة في حارته الشعبية ويمنح سكانها احساسا جميلا بفن مقاومة الحياة البائسة. وابطال الفيلم لا يخرجون عن مواصفات المؤلف سامي السيوي، فهم من البؤساء والمهمشين مثل شوقية «سلوى خطاب» التي تعمل في مهنة شبه منقرضة وهي «الحفافة» اي التي تقوم بتزيين العرائس، وقد جاءت صدفة لتسكن في حجرة فوق سطح المنزل الذي يقطنه الساحر، بعد ان طلقها زوجها وتزوج من اقرب صديقاتها، وعندما اجبرها على تزيين ضرتها قامت بضربها، فطردها هي وابنها علي من المنزل، ولان الكثيرين مازالوا ينظرون لبعض المهن ومن ضمنها مهنة «الحفافة» بازدراء وتوجس وريبة اخلاقية فقد استقبلها الساحر بضيق وقلق وهذا التوجس يظهر جليا عندما يحرم ابنته «منة شلبي» من التعليم خوفا عليها من الانوثة المتفجرة في جسدها، حيث حبسها في البيت ولا تخرج منه الا للسطوح لكي تطعم الحمام ولم يكن خوف الساحر على ابنته من الحفافة له ما يبرره، حيث اكتشف انها امرأة مسكينة تفكر في الانتقام من زوجها الذي كادت ان تقتله لولا تدخل الساحر في اللحظات الاخيرة ثم يكتشف ان ابنها «علي» يكاد يفقد بصره بالتدريج ويحتاج لعملية في المخ مكلفة جدا. اما بالنسبة لابنة الساحر المليئة بالحيوية والرغبة فهي لا تصعد الى السطح لاطعام الحمام فقط بل لكي تتبادل اللقاءات الساخنة مع حبيبها «حمودة» الذي يرفض الساحر ان يزوجه ابنته لانها صغيرة، ويفرز الفيلم الكثير من الشخصيات البائسة مثل السائس العجوز الذي يحلم بوجود حصان يؤنس وحدته، والصياد الشاب الفقير الذي يحلم باستعادة رجولته بعد ان فقدها مع فقدان زوجته. وفي وسط هذا العالم البائس واليائس يأخذنا رضوان الكاشف الى الضفة الاخرى من الحياة وهي عالم الاثرياء والقصور الفاخرة حيث نرى المليونير «جميل راتب» المكتئب بسبب فقدانه للذاكرة فيحاول الساحر ادخال البهجة الى قلبه في الوقت الذي يحاول فيه ان يبيع لابن المليونير حصانا عاديا على انه حصان عربي اصيل لكي يتمكن بثمنه من دفع تكاليف العملية لابن الحفافة، لكن ابن المليونير وافق على هذه البيعة لكي يلقي بشباكه على ابنة الساحر والذي كاد ان يفتك بها لولا تدخل الساحر وحبيبها حمودة. هكذا تدور احداث الفيلم حول جدلية حلم الصعود والواقع الصعب، ليتأكد لنا ان عالم رضوان الكاشف لا مفر له من هذه الحياة البائسة وشغف العيش سوى بالتمني والحلم ويشكل الجنس احد اهم الاحلام عند بعض الشخصيات مثل «منة شلبي» والصياد الفقير، ولقد استطاع المؤلف سامي السيوي ان يصوغ شخصياته بشكل يقترب كثيرا من الواقع المعاش، اما الديكور فقد كان رائعا خاصة الحارة الشعبية غرفة شوقية والموسيقى ساعدت كثيرا المشاهد على الاحساس بحيوية المواقف الدرامية، ولقد نجح المخرج والمؤلف في توليد الاحداث من تداخلها دون اية مؤثرات مجانية، بمعنى ان الشخصيات تعاملت معها الحياة وفق قانون لم يخرج قيد انملة عن طبيعة الدنيا التي يحياها هؤلاء. اخيرا وفق المخرج في اختيار محمود عبدالعزيز كشخصية محورية تبدأ من عندها الاحداث وتنتهي عندها فلقد جسد شخصية منصور بهجت بكل تفاصيلها وتضاريسها وابعادها وكأننا امام ساحر بالفعل من حيث عالمه الذي لا يخفى على الكثير منا، اما سلوى خطاب فقد اضافت رصيدا جديدا لتاريخها الفني حيث قدمت دورها بكل فهم وعمق وحساسية. يؤخذ على المخرج لجوءه الى بعض المشاهد الحسية الساخنة لا تليق بتجربة رضوان الكاشف، الا اذا كان يغازل شباك التذاكر لكن يبقى ان فيلم الساحر بمثابة لوحة انسانية شديدة الدلالة. مجدي ابو زيد