بيان 2: أهم ما يميز شارع القصر العيني العريق هو ذلك الكم الهائل من الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية التي تجعله بمثابة كاتم لأسرار الدولة، ففي هذا الشارع يقع مبنى رئاسة مجلس الوزراء، ومبنى وزارة التموين والتجارة الداخلية ووزارة البحث العلمي كما يطل عليه كل من مجلس الشعب والشورى، وهو أيضا الشارع الرئيسي المؤدي إلى وزارات الداخلية والتعليم والمالية والصحة، وفي الشارع أيضا يوجد معهد الدراسات التعاونية وكلية الصيدلة ومؤسستا روزاليوسف ودار الشعب الصحفية ومقر الأمانة العامة للحزب الوطني بالقاهرة ومقر النقابة العامة لأطباء مصر والذي يرجع تاريخه إلى 1941 المعروفة باسم دار الحكمة ومقر الهيئة العامة لقصور الثقافة، والأهم من ذلك وجود مستشفى قصر العيني الذي سمى الشارع باسمه ولعل وجود هذا الكم الهائل من الوزارات والهيئات يفسر الزحام الشديد الذي يعاني منه الشارع يوميا والذي دفع محافظة القاهرة إلى جعله إتجاها واحدا فقط للسيارات القادمة من ميدان فم الخليج حيث يبدأ الشارع في إتجاه ميدان التحرير حيث نهايته، والشارع العريق يعد من أقدم شوارع القاهرة حيث يزيد عمره عن مئة عام، أما قصر العيني نفسه فيزيد عمره عن خمسمئة عام، ويتميز الشارع بوجود مجموعة من العمارات ذات طراز كلاسيكي شيدت معظمها أوائل القرن الماضي، وعند مدخله من جهة ميدان التحرير يوجد مبنى الجامعة الأمريكية على اليسار ومجمع التحرير على اليمين ومن مميزات شارع القصر العيني أيضا وجود مجموعة كبيرة من الصيدليات الشهيرة ولعل ذلك قد ارتبط منذ زمن بعيد بوجود مستشفى قصر العيني ،وأشهر هذه الصيدليات هي صيدلة سيف التي يأتي إليها المرضى من شتى أنحاء القاهرة بحثا عن الأدوية النادرة أو المستوردة، أما اقدم الصيدليات به فهي صيدلية أبو العز التي يعود إنشاؤها إلى الأربعينيات من القرن الماضي، وهناك أيضا صيدليات أوسكار وعلى وعزت وجاردن سيتي، ويطل على الشارع من جهة فم الخليج المعهد القومي للأورام، والمعهد القومي للسكر ومعهد التغذية ومستشفى الأطفال المعروف باسم مستشفى أبو الريش ومستشفى الأمراض الباطنية والمعهد القومي للأمراض المتوطنة والكبد ومعهد الأبحاث لطب المناطق الحارة والهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية وفي هذا الجزء الجنوبي من الشارع أيضا يوجد مسرح السلام أسفل أكاديمية البحث العلمي، وبالتأكيد فإن وجود كل هذا الكم من المنشآت الهامة والحيوية قد أنعش الحركة التجارية في الشارع فظهرت به مجموعة من المطاعم الفاخرة والشعبية ولعل أشهرها على الإطلاق مطعم أبو شقرة الكبابجي لكن بالطبع ونظرا لطبيعة المترددين على المستشفيات والمصالح الحكومية سواء من المرضى أو المرافقين أو حتى الموظفين فإن المطاعم الشعبية هي الأكثر رواجا وخاصة مطاعم الفول والطعمية وكذلك محلات الكشري، أما المقاهي فهي منتشرة بشكل ملحوظ في الشارع وتزيد كثافتها كلما أقتربنا من منطقة المستشفيات جنوب الشارع والطريف أنه بمواجهة مستشفى الأمراض الباطنية الملحقة بقصر العيني القديم يوجد مقهى أطلق عليه صاحبه نادي الأطباء وفي الجزء الشمالي من الشارع هناك العديد من المقاهي أشهرها مقهى فيينا أمام مسرح السلام وهو يجذب شريحة كبيرة من الفنانين والعاملين بالمسرح إلى جانب العاملين بالهيئة العامة لقصور الثقافة وعلى ناصية شارع أمين سامي مقهى زغلول والذي كان في الأصل مطعم أسماك لكن مع رواج مشروعات المقاهي تم تحويله إلى مقهى ومعظم المترددين عليه من العاملين بمؤسسة روزاليوسف، وهناك أيضا مقهى النوبي وهو مختص بأهالي الجنوب من أبناء النوبة المقيمين بشارع القصر العيني والمناطق المجاورة في جاردن سيتي والمنيرة أما أحدث المقاهي التي إفتتحت به فهو «أرابيسك» وهو ذو مستوى راق يستقبل نوعية خاصة من الزبائن أغلبها من الشباب الدارسين بمعهد التعاون، ولعل هذه المجموعة من المقاهي هي التي تبعث الحياة بالشارع طوال الليل بعد أن كان الهدوء والصمت هما الغالبان عليه ليلا، ورغم هذه المتغيرات التي طرأت على الشارع سواء بالمحلات التجارية التي أنشئت بدلا من الجراجات أو بالمقاهي والمطاعم إلا أن الشارع مازال به عبق التاريخ وخاصة من الناحية الغربية منه والتي يقع خلفها حي جاردن سيتي وربما كان من الضروري الإشارة إلى بعض من تاريخ هذا الشارع العريق. الإسماعيلية وطريق الشيخ يوسف في عهد الخديوي إسماعيل شرع في تنظيم المنطقة التي عرفت بالإسماعيلية وهي المنطقة الواقعة بين شارع بولاق «26 يوليو حاليا» وشارع القصر العيني والخليج المصري حتى فم الخليج وساحل النيل والسور الغربي للقاهرة، وهذه المساحة حددها على مبارك في كتابه الخطط التوفيقية بنحو 359 فدان، قال إن هذه المساحة كانت مزدهرة في عصر الناصر محمد بن قلاوون وفي عصور سلاطين المماليك البحرية بعده لكنها تدهورت بعد ذلك حتى أصبحت بركا ومستنقعات مع وجود قليل من الزراعات، وقد أعيد تخطيطها في شوارع مستقيمة متقاطعة على زوايا قائمة في معظمها وأنشئت فيها عدة ميادين وأصبحت قلب المدينة وبها أهم مرافقها، وسكنها الأمراء والعظماء والأعيان وأيضا أهم مرافق الحكومة والبنوك والشركات والمحال التجارية وما كان شرقي شارع القصر العيني عرف بالإنشاء والمنيرة وما كان غربي الشارع عرف بجاردن سيتي والقصر العيني وحسبما ذكر على مبارك في خططه التوفيقية فإن الشارع عرف بالقصر العيني في عهد الخديوي توفيق أواخر القرن التاسع عشر وكان أيام الخديوي إسماعيل يسمى طريق الشيخ يوسف وكان يصل بين بولاق ومصر القديمة، أما سبب إطلاق هذا الاسم على الشارع فيرجع إلى وجود قصر العيني الشهير الذي أنشأه شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن قاضي القضاه الحنيفة بدر الدين محمود العيني عام 1466 م - 871 هـ أي منذ أكثر من خمسة قرون والذي تحول بعد ذلك إلى أكبر وأشهر مستشفى في مصر . الأمير أحمد العيني وكان أحمد العيني قد نشأ في قصر السلطان خوشقدم حيث كانت والدته ربيبة السلطان «ابنة زوجته» ولذلك علا شأن أحمد العيني في سن مبكرة وجعله أمير للمحمل، أي أمير للحج وفي عام 871 عين أمير خور كبير وهو الذي يتولى اصطبلات السلطان وأصبحت له كلمة نافذة وقد أنشأ في ذلك العام القصر العظيم المطل على البحر في المنطقة التي كانت تسمى في تلك الفترة بمنشية المهران ولما كملت عمارة القصر نزل السلطان خوشقدم من القلعة وأقام هناك إلى بعد العصر وأعجب بعمارته وأنعم على العيني برتبة الإمارة وأصبح هو القائم بتدبير المملكة ولما توفي قدم عام 872 هـ تنكر الحظ للعيني وجرده السلطان قايتباي من معظم أمواله وكل سلطاته ووبخة وضربه ونهب العامة بينه أثناء القبض عليه ورغم الغرامات الكثيرة التي فرضت عليه ظل من الأعيان وبعد وفاة قايتباي توالي السلاطين على حكم مصر وظل العيني بعيدا عن الوظائف وعرضه للتنكيل والسخط منهم واضطر للهروب إلى مكة ومات هناك وآل قصر العيني إلى الدولة . الفرنسيون استخدموه كمستشفيات اثناء الحملة الفرنسية على مصر إستخدم الفرنسيون قصر العيني كمستشفى لجنودهم ولما قتل كليبر دفن في حديقة القصر ثم نقلوا جثمانه معهم عند جلائهم عن القاهرة وكان من مشروعات والي مصر محمد على نشر التعليم في مصر فأرسل البعثات إلى أوروبا وأنشأ في القصر العيني المدرسة الحربية عام 1925، وعندما تولي الخديوي سعيد الحكم أصدر قرارا عام 1856 بإنشاء مجلس خصوصي للطب ثم أصدر قرارا آخر بإنشاء مدرسة الطب بالقصر العيني ملحقة باسبتالية القصر العيني لتعليم الطب والجراحة والعلوم الطبية والأجزائية «الصيدلة» وكان عدد التلاميذ 80 تلميذا وتولى إدارة المدرسة مع المستشفى كلوت بك حتى عام 1858 م وخرجت مدرسة الطب بالقصر العيني على بساطة نظمها المئات ثم الآلاف ونبغ منهم الكثيرون وخلدت لافتات الشوارع أسماءهم وذكرت كتب التاريخ أن أول استخدام للبنج في العمليات بمصر كان عام 1846 م حيث استورد وقتها من أمريكا واستخدمه كلوت بك بإجراء عمليتين جراحيتين إحداهما كانت بالعين كما إستخدمه إبراهيم باشا في بتر رجل أحد الاشخاص المصابين، ومن أهم الأطباء الذين تخرجوا من مدرسة القصر العيني في بداياتها د. محمد الشافعي الذي حصل على لقب بك، ومحمد على البقلي باشا وابن أحمد حمدي باشا البقلي، ود. حسين الرشيدي وسمى باسمه شارع متفرع من شارع القصر العيني في مواجهة المستشفى . قصور تحولت إلى وزارات وتذكر كتب التاريخ أن العديد من المباني المطلة الآن على شارع القصر العيني والمناطق المحيطة به كانت قصورا رائعة ومنها القصر الذي بناه الخديوي إسماعيل لابنته بالتبني الأمير فائقة التي تزوجها مصطفى باشا بن إسماعيل باشا المفتش ومكان هذا القصر الآن ديوان وزارة التربية والتعليم ومازال القصر يحتفظ بجماله وروعته بعد أن تم تجديده، وهناك قصرا آخر بناه الخديوي إسماعيل لابنته جميلة زوجة محرم باشا ولكن هذا القصر هدم وأنشئ مكانه ثلاث وزارات هي وزارة التموين والتجارة الداخلية المطلة على القصر العيني مباشرة وكذلك وزارة البحث العلمي ووزارة الإسكان، وفي شارع الشيخ ريحان المتفرع من القصر العيني كان يوجد ثلاثة قصور بناها إسماعيل المفتش القصر الأول بموقعه الآن وزارة الداخلية أما الثاني فحلت بموقعه وزارة العدل والثالث أقيم مكانه وزارة المالية . الشوارع الفرعية ويتفرع من شارع القصر العيني مجموعة من الشوارع الهامة صبغت معظمها بصبغة تاريخية أما بسبب أسماء الشخصيات التي سميت بأسمائها الشوارع أو لوجود منشآت هامة بهذه الشوارع ولعل شارع إسماعيل باشا من أهم هذه الشوارع وهو الذي يبدأ من القصر العيني من أمام وزارة التموين والتجارة الداخلية ليصل غربا إلى النيل وقد تغير اسم الشارع ليصبح «جمال الدين أبو المحاسن» وهو يوسف بن تغري بردي مؤلف الكتاب الشهير النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ،ويتفرع منه أيضا شارع المبتديان وهو الذي يصل بين شارع القصر العيني وشارع خيرت بالسيدة زينب وتغير اسم الشارع أكثر من مرة حيث سمى بالشيخ على يوسف ثم محمد عز العرب ولكن الاسم القديم هو الغالب عليه ويوجد بهذا الشارع مؤسسة دار الهلال وفي نهايته من ناحية السيدة زينب توجد مدرسة السنية أقدم مدرسة للبنات في مصر . وقد سمى الشارع بالمبتديان عام 1868 نظرا لوجود مدرسة المبتديان به وهناك أيضا شارع أمين سامي الذي يصل بين شارع قصر العيني والمنيرة وكان الشارع من قبل يسمى شارع المدرسة لوجود المدرسة الناصرية به، أما أمين سامي فقد كان ناظرا للمدرسة الناصرية الإبتدائية حتى عام 1914 ثم أصبح عضوا في مجلس الشيوخ وله مؤلفات تقويم النيل وتاريخ التعليم، من شارع القصر العيني يتفرع أيضا شارع إسماعيل باشا صبري والذي تولى مناصب عديدة منها النائب العام ومحافظ الاسكندرية ووكيل وزارة الحقانية ولم يشتهر بهذه المناصب وإنما اشتهر كشاعر كبير حتى أن شوقي بك وحافظ إبراهيم كانا يعرضان عليه قصائدهما ،وقد توفى إسماعيل باشا صبري عام 1923، وعند بداية شارع القصر العيني من ناحية ميدان التحرير يتفرع منه شارع كبير اسمه الآن شارع كمال الدين صلاح وكان من قبل يسمى بشارع قصر الدوبارة وكمال الدين صلاح مجاهد اغتيل في الصومال عام 1957، والشارع الذي يحمل اسمه يصل بين شارع القصر العيني وكورنيش النيل من جبهة ماسبيرو، أما شارع الشيخ ريحان فيتقاطع مع القصر العيني وهو يبدأ من داخل حي جاردن سيتي ويقطع شارع القصر العيني ليصل إلى سراي عابدين ثم شارع بورسعيد، وسمى هذا الشارع باسم الشيخ ريحان لوجود ضريح باسمه في الجزء الواقع في حي عابدين بعد مبنى وزارة الداخلية ،ومن هذا الشارع العريق تتفرع شوارع كثيرة أخرى مثل شارع عبد الرحيم البياني وشارع منظرة السكرة وشارع بستان الفاضل وشارع معمل البارود وشارع المنشأة وشارع الطيبرس.