غابت الأصالة عن الساحة الفنية مضمونا ومفهوما رغم محاولات التجويد واجتهادات الإصلاح في شتى المجالات في الوقت الذي يتعرض فيه تراثنا الفني العريق إلى الإهمال والضياع، بل والسرقة أحيانا حتى يكاد أن يندثر، فأي شكل من أشكال تراث الأمة هو ذاكرتها التاريخية وفي ظل غياب الدور المؤسس لحماية التراث الفني المصري تشكلت جمعية أبناء الفن الأصيل والتي تضم أبناء العمالقة في شتى المجالات الفنية والذين أخذوا على عاتقهم مهمة حفظ تراث الآباء وإحيائه من جديد. بدأت خطوات تأسيس الجمعية التي تضم أكثر من 70 عضوا كما يقول الناقد الفني وجدي الجافي صاحب الفكرة: لقد فكرت في ضرورة تكوين رابطة تضم أبناء الفنانين ليقوموا بإحياء ذكرى آبائهم وجمع تراثهم والحفاظ عليه وتوثيق سيرتهم الذاتية وعرضت الفكرة على بعض الأصدقاء فتحمسوا لها للغاية منهم من يعمل في مجال الفن أمثال المخرج يس إسماعيل يس ويحيى شكري سرحان وعادل فايد محمد فايد والمخرج إبراهيم ناجي نجل الفنان إبراهيم حمودة واستقر الأمر على إنشاء الجمعية تحت عنوان أبناء الفن الأصيل واختير الفنان أحمد الكحلاوي رئيسا لها. وهو نجل الفنان الكبير محمد الكحلاوي الذي اشتهر في حياته الفنية بتقديم الوان عديدة أشهرها الغناء البدوي والذي أسس له مدرسة فريدة في مصر حيث أن أصوله العربية وانتماءه إلى قبيلة الحويطات والسنوات التي قضاها في برالشام مع فرقة عكاشة جعلته يتقن الغناء البدوي كما كان أفضل من عبر عن ابن البلد بتلقائيته وكرمه وشهامته وجه للجار وقد شارك في نحو 40 فيلما بالبطولة أو التمثيل والغناء وفي عام 1951 انتهج لونا جديدا في الغناء هو الإنشاد الديني الذي قدم فيه أروع أعماله: (عليك سلام الله)، (لأجل النبي)، (ماشي في نور الله) وعلى هذا النهج سار ابنه أحمد الكحلاوي. جمع التراث أحمد الكحلاوي الذي يرأس جمعية أبناء الفن الأصيل يقول : إن ماضينا الفني ساهم في تكوينه العديد من العمالقة فلابد ألا ننسى ميلادهم ورحيلهم وأعمالهم وسيرتهم الذاتية وهؤلاء العمالقة في شتى المجالات وبينهم المثال المرحوم جمال السجيني والفنان التشكيلي الدكتور صلاح عبد الكريم والموسيقي مثل فؤاد الظاهرى كذلك المؤلف والكاتب والمطرب والمخرج. وقد اتفق أعضاء الجمعية على تخصيص يوم لتكريم الفنانين في ذكراهم وذلك بصورة شهرية وعبر تكريم أسرهم وتقديم شهادات التقدير لهم ومن جانب آخر تسعى الجمعية إلى الاتصال بجهات عديدة داخل مصر وخارجها للحصول على نسخ من التسجيلات الصوتية أو شرائط الأفلام النادرة للفنانين الراحلين وذلك تمهيدا لتكوين مكتبة سينمائية موسيقية رائدة في مقر الجمعية المزمع إنشاؤه والتي سيلحق بها قاعة عرض تستوعب ثلاثمائة شخص إلى جانب متحف يضم أهم المقتنيات الشخصية لكبار الفنانين وسيرتهم الذاتية وصور لأهم أعمالهم وقد اتفقنا على أن يقوم كل عضو بتقديم سيرة والده الذاتية موثقة حتى نتصدى لأعمال التحريف التي يقوم بها بعض الكتاب والمعلومات الخاطئة التي يتم نشرها عنهم. أما عن ضوابط اختيار أعضاء الجمعية فيقول الكحلاوي لابد أن يكون ابن فنان أصيل بما يعنيه مفهوم الأصالة وأن يكون قد قدم فنا حقيقيا أثرى به وجدان الشعب وأن يكون سلوك هذا العضو مشرفا لأبيه وللجمعية، ونحن نحرص على إحياء ذكرى فنانين عظماء تم نسيانهم أمثال الفنان فؤاد شفيق والفنان فؤاد الظاهري والفنان سعيد أبو بكر. وقد تم الاتفاق مع رئيس هيئة الأوبرا لتخصيص يوم لحفلات وندوات الجمعية لتقديم أعمال الراحلين وتكريمهم، كما نجري الاتصالات بالإذاعة والتليفزيون لتقديم المعلومات الموثقة عن أبائنا ورحلتهم الفنية. بعث وإحياء ومن جانبه يضيف يحيى شكري سرحان وهو المستشار الاعلامي للجمعية: سنحاول الحصول على نسخ من بعض أفلام الفنانين الرواد وجمعها من المنتجين وشرائها وتهيئتها للعرض في مكان ملائم، كما أن هناك نية لإنتاج أعمال فنية حديثة متنوعة ذات أهداف إنسانية وترسخ القيم والتقاليد المصرية. أما نائب رئيس مجلس الإدارة محمد عبد الغنى السيد ووالده مطرب معروف أثرى الساحة الفنية بأغاني مازالت تعيش فينا أشهرها (ولا ياولا) و (البيض الأمارة). فيقول: عدد كبير من أبناء الفنانين يمتلكون مواهب متعددة ودور الجمعية إرشاد أصحاب تلك المواهب وتنمية علاقاتهم ونحن نسعى لإنشاء صرح غنائي ليكون مقرا رئيسا للمواهب من أبناء الفنانين وغيرهم . ويطالب المهندس نبيل محمد فوزي نجل الفنان الشامل محمد فوزي وهو الذي قدم أعمالا فنية قام خلالها بالغناء والتمثيل والتلحين الجهات المختلفة بالمعاونة حتى تزداد الإمكانات فنحافظ على تراث آبائنا الراحلين وفي مقدمتهم نقابة الموسيقيين. أما راندا هنري بركات ابنة المخرج الكبير الذي كرمته الجمعية مؤخرا في ذكراه فتقول : أعضاء الجمعية معظمهم أبناء لفنانين عملوا مع والدي في مشواره السينمائي الذي يزيد على 50 عاما وعلى مصر أن تتذكر أبناءها الراحلين وتكرمهم وتعيد تقديم أعمالهم الفنية ثانية. ويرى عادل فايد وهو مطرب بفرقة رضا للفنون الشعبية وهو نجل الفنان محمد فايد لابد من إعادة عرض الأعمال الفنية القديمة وحمايتها من السرقة أو الاندثار وتقديم حفلات لتقديم أعمال فناني مصر الكبار أمثال الكحلاوي وكارم محمود وشفيق جلال وعبد الغني السيد. رد الاعتبار والجميل ويرى المخرج إبراهيم ناجي نجل الفنان العبقري إبراهيم حمودة الذي قدم للسينما 450 أغنية عاطفية ودينية وقدم حوالي 22 فيلما: لم يحصل والدي على حقه أو يكرم كما يجب هنا في مصر رغم أنه كان يمتلك صوتا متفردا مكنه من تقديم كافة ألوان الطرب الديني والوطني مثل أغنية إلى المعركة التي غناها أثناء العدوان الثلاثي 1956 وأنا المصري الذي سبق لسيد درويش تقديمها هذا بالإضافة للون العاطفي وتعامل مع كبار الملحنين من الموجي وبليغ حمدي وغيرهم كما أن هناك أغفالا لنقاط هامة في حياته فعندما عرض مسلسل (أم كلثوم) لم يذكر اسمه، وهو الوحيد الذي أعجب أم كلثوم بصوته وقررت التعاقد معه وكان وقتها شابا لا يتجاوز عمره 24 سنه وكانت هي في أوج مجدها وذلك في فيلم (عايدة) ورغم أفيش الفيلم الأصلي ظهر فيه كبطل للفيلم بجوار أم كلثوم فقد ظهر في المسلسل بدونه وهذا خطأ تاريخي لا أدري له سببا. وهذا هو دور الجمعية في تقديم المعلومات الصحيحة والحفاظ على تراث الراحلين. ماجد علي الكسار نجل الفنان الكبير صاحب الثورة الحقيقية في مسرح الكوميديا والذي حرر المسرحية المصرية من التبعية الأجنبية وجعل لها مغزى وهدفا فأصبحت أداة لتهذيب الأخلاق وبعد أن كان المسرح لا يقدم إلا شخصيات الأمراء والملوك وأصحاب الجاه والسلطان أصبح في مسرحياته من الطبقات الكادحة شيالا أو قهوجيا أو عاملا بسيطا وقدم للسينما الشخصية الشهيرة عثمان عبد الباسط فلقب بربري مصر الوحيد يقول ماجد الكسار: لقد لاقى والدي في أواخر حياته الجحود بعدها اعتزل مسرح الماجستيك وأصبح يقدم أعمالا منقطعة خاصة بعد أن تحولت معظم المسارح إلى دور للسينما وظل به الحال هكذا حتى حل فرقته عام 1950 وأتجه إلى المسرح الشعبي التابع للدولة كممثل عادي حتى تاريخ وفاته في يناير 1957 ولم يكن هذا لائقا بالفنان الذي أحدث ثورة التمصير في مسرح الكوميديا وأحدث ثورة أخرى عندما ابتدع شخصية عثمان عبد الباسط من خلال مسرحية (حسن أبو على سرق المعزة) والكسار هو الذي ابتدع هذه الشخصية من الألف وحتى الياء في طريقة الأداء والأسلوب والماكياج وهو أول من قدم أعمالا في السينما فشارك في السينما الصامته بفيلم الخالة الأمريكانية وعندما عرفت السينما المصرية الفيلم الروائي الطويل الناطق قدم فيلم (بواب العمارة) كما حمل على تصرفات الملك فؤاد من خلال أعمال مسرحية عديدة منها الهلال، 1922 وأبو زعيزع 1927 واستخدم أسلوب الاسقاط ليصف الملك بأنه شرابة خرج. القاهرة ـ فيصل حماد