إذا كانت المخرجة السورية نائلة الأطرش قد طرحت نفسها منذ البدايات على أنها مخرجة تؤمن بمقولة المسرح الجاد والملتزم بقضايا الوطن، وأكدت على ذلك بتقديمها لنصوص صعبة ذات طبيعة إشكالية وميول تقدمية وانسانية عامة بغض النظر عن مدى نجاح مسعاها في هذا العرض أو ذاك، فأية إضافة إلى رحلتها السابقة تقترح علينا في عرضها الحالي «الرهان» الذي يقدم على مسرح سامة بدمشق عن نص ليوليوس هاي تقودنا نائلة إلى عالمها بجملة من الشروح كتبتها في بروشور العرض إذ تقول: المسرح مغامرة مجنونة في زمن الترويج لفكرة موت المسرح، والفضائيات التي سرقت الجمهور،وحين اقترح علي تجمع سامة أن أقوم بهذا العمل كنا ندرك أننا أمام هذه المغامرة، انطلقت في اختيار عملي هذا من الرغبة في تقديم عرض مسرحي يهم الجمهور وبناء عليه اخترت الموضوع والشكل الفني، أردت أن تكون الكوميديا نقطة لقاء بيننا وبين الجمهور، وأردنا الكوميديا التي تعيد تركيب الواقع وتحتوي على شحنات فكرية من خلال لحظات متوهجة في العرض لقد أراد النص ومن ثمة العرض خلق علاقة منهجية مع الممثل فهل كانت المخرجة وفية لمقولاتها هذه ومشروعها المسرحي ككل ؟ إذا كانت عادة نائلة أن تبحث في النصوص عن القضايا الإشكالية الكبرى، التي تمس البشرية عموما والمواطن العربي بشكل خاص، وغالبا ما انصب حقل بحثها حول مسألة الحرية الجمعية وعلاقتها بإمكانية التحقق وماهية الوجود وإن تناولتها بأشكال وزوايا نظر مختلفة، ففي عرضها الراهن اختارت شخصية الطاغية كاليجولا لتقول ما تقول، واختارت الكوميديا كوسيلة للإيصال والتواصل مع الجمهور، وهي كوميديا لا تعرف الإسفاف أوالابتذال لمجرد جذب المشاهد بل تنبع من فكرة العمل وبنيته الداخلية وأسلوب التخييل فيه، إذ أن الحكاية تروي قصة الطاغية كاليجولا وهو ينصب حصانا في رتبة القنصل، فيضطر أهالي روما جميعهم الذين يعيشون رهابا مزمنا من حكمه أن يتملقوا هذا الحصان ويتشبهون به، ومن هنا نبعت مفارقات العرض ومواقفه الكوميدية لترسم فضاء إشاريا واسع الدلالات والأسئلة حول سلطة الفرد الواحد وعبادة الذات، الحاكم الطاغية والرعية القطيع المسالم والمذعور، وهي مسألة عانى منها العالم كثيرا عبر تاريخه الطويل، وعانى منها المواطن العربي بشكل خاص في ماضيه وحاضره، وقد اجتهدت نائلة في أن تقرب العرض من جمهورها دون المساس ببنية النص وبيئته، عن طريق رسم فضاء إيحائي يناسب البنية الفنتازية للنص والمزج بين الزي الروماني والأزياء المعاصرة وضبط الحوارات وتطعيمها لتصب في سياق راهن ومحلي في بعض الأحيان. كذلك اهتمت نائلة كثيرا بالجانب البصري وفنون الفرجة، وقد ساعدها على ذلك الفضاء المسرحي الذي صممه نعمان جود، فالمكان معتم وبؤر الضوء ترسم أمواجها على الستائرالسوداء التي تحيط خلفية المكان، الديكور متحرك ومتغير وقوامه ألواح مرسومة قابلة للطي، مرة كانت تنفتح لتوحي بحديقة أو قصر أو منزل وأخرى كانت تنغلق على شكل زهر النرد وفي أعلاها ينتصب الصولجان وكرسي الملك، ومع دوران هذا النرد الذي توسط الخشبة واحتل الفضاء، انتهت المسرحية التي سارت على شكل لوحات متسلسلة في سياقها الزماني الطبيعي، لتوسع دائرة الطغيان المسعور فيشمل عالمنا بأكمله رغم اهتمام المخرجة بالجانب البصري والمؤثرات الموسيقية والصوتية المختلفة لشحن العرض بدلالاته النفسية المناسبة، لكن اهتمامها الأكبر انصب على ممثليها الذين بلغوا ثمانية عشر فنانا وفنانة، وقد أتاحت لهم جميعا فرصة كبيرة لإبراز مواهبهم في فنون الأداء،فاستطاعوا أن يبنوا شخصيات حية وفية لخصائصها النابعة من عمق الحالة المفترضة دون افتعال أو مبالغات، فجاء الأداء عفويا وصادقا تدعمه حركة هادئة خارجيا لكنها تنم عن توترات داخلية، ويمكننا أن نخص بالذكر هنا قصي خولي الذي لعب دور «كاليجولا»، اندريه سكاف في دور ماكرو وكميل أبو صعب في دور إجناتيوس. وهكذا يمكننا القول إن هذا الجهد الجماعي المبذول بحبّ قد أسفر عن رهان ناجح، ظل وفيا لمنطلقات المخرجة نائلة الأطرش لكنه أضاف جديدا إلى رحلتها الطويلة في عالم المسرح،إن كان على صعيد الأسلوب أو زاوية التناول والطرح أوابتكار الحلول، فقدمت بذلك عرضا لطيفا سلس التلقي استطاع أن يجذب الجمهور رغم البرد القارس والثلوج التي شهدتها دمشق . دمشق ـ تهامة الجندي