ينطوي العنصر الرئيسي في التبغ، النيكوتين، على تأثيرات علاجية بالنسبة لست علل عصبية، مثل مرض الزايمر ومرض بركنسون وربما كان النيكوتين يخفف ايضا بعض الاضطرابات النفسية مثل الفصام «انفصام الشخصية». نعرف جيدا ان التبغ يضر بالصحة، وانه يؤدي دوراً اساسياً في التسبب بالوفاة والاصابة بالاورام السرطانية مع ذلك مهما بدا الامر مدهشاً، واستناداً الى الدراسات المنجزة في اوروبا والولايات المتحدة، فإن هذا المركب الرئيسي للتبغ قد ينطوي ايضا على فوائد علاجية. في الواقع، يبدو اننا نستطيع، في بعض الحالات، الربط بين هاتين العبارتين المتناقضتين «فوائد» و«نيكوتين» ذلك ان دراسات عديدة تشير بشكل مؤكد الى ان لهذا القلواني التبغي تأثيراً حامياً ومنبهاً بالنسبة للخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي وانه قد يمكن استخدامه في الدوائيات لمعالجة نصف دزينة من العلل العصبية. لسنا بالتأكيد بصدد تقديم السيجارة على انها دواء، بينما قتلت خلال القرن العشرين نحو مئة مليون انسان في العالم «4 ملايين خلال العام 1998 وحده وفقا لمعطيات منظمة الصحة العالمية». في الواقع لاحظ ممثلو البحث الطبي منذ وقت طويل ان المصابين بمرضي بركنسون والزايمر هم اقل عدداً بين المدخنين بالمقارنة مع بقية السكان. واظهرت دراسات وبائية ان وقوع هذين المرضين التنكسيين العصبيين هو ادنى بين مستهلكي التبغ. يؤثر النيكوتين ايضا على علة عصبية نادرة هي «متلازمة جيل دولاتوريت» التي تنجلي على شكل عرات صوتية وحركية، وقد لوحظ تحسن الاعراض الملموس بنتيجة النيكوتين منذ نهاية القرن التاسع عشر ولكن لزم انتظار عام 1992 حتى يثبت كل من «ب، ماك كونفيل» من جامعة «سنسيناتي» و«ب. سنبيرج» من جامعة فلوريدا الجنوب/ الولايات المتحدة، رسيما ان تجريع النيكوتين على شكل صمغ موضوع يقلل من تواتر وشدة العرات، ويخفف النيكوتين ايضا بعض اضطرابات الفصام، مثلما اوضحه «ل. ادلر» عام 1993 في «المجلة الامريكية للطب النفساني» وخلافاً لما تبين لدى المصابين بمرض بركنسون والزايمر، فإن المصابين بالفصام هم اكثر عدداً بين المدخنين، وتشير ملاحظة سريرية تعود للعام 1992 الى ان معظم المصابين بانفصام الشخصية هم من كبار المدخنين. فهم الآليات التي يؤثر بها النيكوتين على البدن واسلوب تأثيره على الصعيد الجزيئي هو امر حتمي قبل تصور اي تطبيق علاجي جديد، وقد احرزت البحوث في هذا الميدان عدة تطورات.. يؤثر النيكوتين بمستوى الخلايا العصبية، الوحدة الاساسية لعمل الدماغ، الخلايا العصبية مرتبطة بعضها بالبعض الآخر، وتشكل شبكة من «الاسلاك» التي تنتشر فيها الاشارات الكهربائية، وانتقال هذه السيالة العصبية من خلية عصبية الى اخرى يتم من خلال الاشارات الكيميائية، ويطلق على الجزء المركزي من الخلية العصبية اسم جسم الخلية، وتتوزع الاستطالات الدقيقة التي تنطلق منه في فئتين: يطلق على المحور الرئيسي اسم المحوار، وتحمل التشعبات الكثيرة التي تتفرع حول جسم الخلية اسم التغصنات. تتواصل الخلية العصبية مع مثيلاتها باطلاق جزيء بمستوى نهاية محوارها يسمى الناقل العصبي، الذي يتفاعل مع مستقبلته التي هي عبارة عن بروتين يتوضع على غشاء التغصنات او غشاء جسم خلية اخرى وتحمل منطقة التماس هذه اسم المشبك العصبي. ومن اجل علاج مرض الزايمر، يتوجه الباحثون الى التركيز على التأثير على الذاكرة، وهذا الداء التنكسي العصبي يحدث على مرحلتين في القشرة الدماغية، الطبقة الخارجية من نصفي الكرة المخية. تتجلى المرحلة الاولى على شكل ترسبات لبروتين يسمى «نشواني ب» ومن شأن ترسب هذه «الصفيحات النشوانية» ان تسبب موت مليارات الخلايا العصبية التي تمتليء بالخيوط المرضية وهذه المرحلة الثانية هي التنكس العصبي الليفي، وقد تم استكشاف سبيلين في الوقت الراهن، وتبين للباحثين وجود تضاؤل في تحرر الاسيتيلكولين لدى الاشخاص المصابين بداء الزايمر، إلا ان للنيكوتين، كما اشرنا خاصية التثبت على المستقبلات الكولينية الفعل النيكوتينية، التي تتفاعل مع الاستيلكولين. ويمكنه ان يحل محل هذا الناقل العصبي الناقص، هنالك طريقة تأثير اخرى ممكنة: قد يمنع النيكوتين تشكل الصفيحات النشوانية، وفقا لدراسة انجزها فريق «كيز وستيرن يونيفرستي» الولايات المتحدة ونشرتها مجلة «الكيمياء الحيوية» عام 1996، ويبقى اثبات هذه النتائج التي تم الحصول عليها في المختبر اذن، فالمستقبلات النيكوتينية هي هدف كموني لعلاجات محتملة اساسها النيكوتين، ومن هنا اهمية الاعمال التي تنجزها منذ عدة سنوات فرق مختلفة لمعرفة بنية هذه المستقبلات. محمد الدنيا