شغلت شبكات الانترنت انظار العالم، فغدت لغتهم وأحاديثهم وتسليتهم وأصبحت مجالا مفتوحاً لبث جميع الأفكار والآراء دون قيود، فتواصل القاصي بالداني والتلميذ بالدكتور الجامعي ورجل الأعمال برجل الشارع العادي، فلم تعد القيود مفروضة بشكلها القديم على المعلومة وتدفقها، ولم تعد هناك أبواب يقف عندها بوابون يسألونك اتجاهك الى أين ومن تريد؟ ومن خلال هذه الشبكة العنكبوتية المفتوحة نأخذك يوميا عزيزي القاريء في قصص مثيرة وقعت في ازمنة متفرقة ولكن بفضل شبكة الانترنت استطعنا ان ندخل ونتداخل في أحداثها.. فهل تجرب معنا هذا الدخول المشروع في أوراق التاريخ؟ أما كيف تحولت تلك المفردة من معناها السلبي وارتدت حلة أخرى، فيعود ذلك إلى السّير الشعبية، التي ترسم الصورة الايجابية للشاطر، فلذلك هو دائماً أكثر إنسانية وحباً للحياة، وفي التراث العربي نجد أن البطل الشاطر دائماً هو بطل يتحلى بتقاليد وآداب الفرسان وسلوكهم وخلائقهم على نحو بعينه، ومن ثم فالبطل الشاطر ـ كما اشارت إليه دراسة منشورة في كتاب أثر العرب والاسلام في النهضة الأوروبية للدكتور محمود علي مكي بالاشتراك مع الدكتورة سهير القلماوي ـ ليس بجبان ولا يجرؤ على مواجهة الأقوياء وأصحاب السلطة، كما أنه لا يوجه طاقة كراهيته إلى زملائه أو رفاق بؤسه من المتشردين والمحتالين والنبلاء المفلسين وما شاكلهم من العامة، بل أن العكس هو الصحيح، فهو من هذه الناحية بطل ايجابي إذا شئنا استخدام مصطلح نقدي معاصر. وبشكل استفهامي مثير لا يخلو من سذاجة قال هانز: كأنكم تتحدثون عن أخلاق الفرسان في الأزمنة الغابرة، لقد قرأت الكثير من القصص والحكايات والأساطير والسّير التي تفوح من جنباتها تلك الأخلاق العالية. لقد أدخلني الدكتور علي وهو يتحدث بأسلوبه الرائع إلى أجواء ساحرة من ذاك العالم المثير، الغني بدلالاته ودروسه، الممتع بقصص وحكايات أبطاله. وقبل أن ينتهي هانز من مداخلته التي أخجلت تواضع الدكتور علي قلت: نتمنى على الدكتور لو يدخلنا في عوالم تلك الحقبة الزمنية التي تواصلت فيها الحضارة العربية الاسلامية بالأوروبية خاصة في الأندلس حتى يستطيع صديقنا هانز ان يعي مدى التأثير الذي حدث بفضل التلاحم والتزاوج فقال: ظلت الأندلس ردحاً طويلاً من الزمن لؤلؤة فريدة في عقد الامبراطورية الاسلامية مترامية الأطراف، ولم تكن القرون الرسمية الثمانية من العام 711 إلى 1492 ميلادية التي قضاها العرب على أرض الفردوس المفقود قروناً هاجعة أو خاملة، بل كانت مسرحاً نابضاً بأحداث جسام، وموئلاً لحضارة متوهجة وفاعلة، ففي وسط دياجير القرون الوسطى الأوروبية رفع العرب مشعل الرقي والتقدم، وصارت مدنهم أمثال قرطبة وإشبيلية وغرناطة منارات شامخة تهدي الحائرين وتشبع نهم طلاب العلم والمعرفة الوافدين عليها من كل حدب وصوب. الأندلس أيها السادة كما ذكر بحق المستشرق الأسباني خوليان ريبيرا كانت ودون منازع، خلال تلك الفترة المبكرة من القرن الثامن حتى الثاني عشر الميلادي اكثر بلاد اوروبا تقدماً وحضارة وكان لها نفوذ هائل وتأثير لا يمكن إنكارهما على القارة العتيقة في شتى ميادين العلم والمعرفة. وبعد سقوط غرناطة في العام 1492 ميلادية حاول المنتصرون اقتلاع جذور كل ما يمت للمسلمين بصلة، وكان مجرد الحديث الايجابي عن العرب او عن حضارتهم المشرقة في الاندلس ينطوي على قدر كبير من المخاطر. ومع بزوغ فجر القرن العشرين بدأت الصورة تتغير، إذ ما لبث أن اخذ الاهتمام بالعرب وحضارتهم على أرض اسبانيا يحظى بعناية كثير من العلماء الاسبان، وينضم اليهم مستشرقون آخرون، وواكب ذلك اكتشاف الكثير من المخطوطات والكتب والآثار الأدبية والفنية القديمة التي نجت من معاول محاكم التفتيش الأسبانية. انتفض هانز مستنكراً تلك الهجمة الشرسة على التراث الانساني وتساءل: هل وجدت تلك الاكتشافات حملة لحمايتها من الضياع؟ اجاب الدكتور بابتسامة صادقة: نعم أيها الصديق، لقد أزالت تلك الاكتشافات غشاوة التجني وعدم الانصاف عن الأعين، إذ ما لبث أن أخذ الاهتمام بالعرب وحضارتهم على أرض أسبانيا يحظى باهتمام كبير. لقد غيرت تلك المخطوطات والكتب والآثار الأدبية والفنية القديمة الصورة، وكان لنتائج الاكتشافات أثر ساحر ومهم، ... وغداً نكمل