كان زكريا رئيس الهيكل اليهودى من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل وكان شيخاً وزوجه أخت أم مريم وقد كفل مريم وعندما رآها فى المحراب تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية فى نفس البشرية الراغبة فى الذرية وفى الامتداد، وفى الخلف تلك الرغبة التي لا تموت حتى فى نفوس العباد والزهاد الذين وهبوا أنفسهم للعبادة وعن هذا العابد يقول القرآن الكريم (هنالك دعا زكريا ربه قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) (آل عمران: 38) فما الذى كان من هذا الدعاء الخاشع الحاد المنيب؟ كانت الاستجابة التي لاتتقيد بسن ولا بمألوف الناس لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ماتريد. إن ما حدث من استجابة يحمل مظهراً من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية فها هو زكريا الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد فى صباها. يناجى ربه طالباً الولد وكانت امرأته (اليصابات أو اليشاع) المؤمنة كريمة المنبت طاهرة الأصول نشأت فى حجر الفضيلة وعاشت عيشة الطهر والنزاهة وصلت ليلها بنهارها فى طاعة الله فاختصها الله بمكرمة عظيمة رفعتها عالياً فى سماء الأبرار وأخرج منها نبياً من الصالحين. ويقول المولى عز وجل في وصفه الذي منحه الله إياه: (وكان تقياً وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً) وهذه المرأة أيضاً هي خالة مريم أم عيسى عليه السلام فهى إذن خالة نبى من المقربين هكذا كانت هذه المرأة الطاهرة من النسوة اللاتى عقدن مع الفضيلة عروة لا انفصام لها فقد كانت تسارع إلى كل مكرمة وكل خير وكل فضيلة اقتداء بزوجها زكريا وحباً لرحمة الله تعالى وقد اثنى الله عز وجل على هذا البيت ذى الدعائم الثلاث... زكريا وزوجه ويحيى ابنيهما وذكر فضلهم وأبان كرامتهم وذلك بحبهم للخيرات ودعاء الله في السر والعلانية والخشوع في العبادة. وعندما نادى زكريا ربه قال: (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً). استجاب الله دعاءه وكانت البشرى ويمكن أن تتخيل زوج زكريا وابتسامة الرضا على شفتيها حيث كان قلبها موصولا بالله كانت الاستجابة مسرعة وكان التبشير بها بواسطة الملائكة الكرام قال تعالى (إنا نبشرك بغلام اسمة يحيى). ولنا أن نتصور ذلك الموقف العظيم لزكريا وزوجه من السعادة والرضا وخاصة أنهما بشرا(بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا). روي عن ابن عباس رضي الله عنه في التعليق على هذا أنه قال: (وإنما سمي يحيى لأن الله أحيا به عقر أمه) وعن قتادة رحمه الله - أنه سمي بذلك لأنه أحيا قلبه بالإيمان والله أعلم. والأرجح في الظن هو القول الأول تأكيداِ لكلام الله تعالى (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه). أى أن الله جعلها مهيأة للحمل وإن كانت عاقراً وكبيرة فى السن وذلك لتعين زوجها على أمر الدعوة قال القرطبى - رحمه الله - جعلت حسنة الخلق ولوداً ولا شك أن زوج زكريا كانت أشد فرحاً من زوجها عندما عرفت حقيقة البشارة الإلهية التي تحمل إليها أعز شيء لدى المرأة ألا وهو الأمومة ووقفت أمام القدرة الإلهية متعجبة من رحمته وكان تعجبها بالشكر والثناء على الله والتسبيح بحمده. وهكذا تمت كلمة الله عز وجل وولدت زوجة زكريا ابنها يحيى وكان ميلاده معجزة لكبر سن أبيه وأمه حتى يئسا من الإنجاب ومما زاد الله زوج زكريا كرامة وصف ابنها يحيى بما تحلى به من صفات عظيمة وجعله ذا حنان وذكاء وتقوى وبراً بالوالدين ومتواضعاً بعيداً عن التعالي والتجبر. وكانت زوجة زكريا وزكريا وابنها يحيى في طاعة الله عز وجل يتسابقون إليها والسبق المحمود فى هذه الفضيلة والمسارعة فى الفضائل من أجمل مايمتدح به الإنسان لأنها تدل على حرص عظيم على رضى الله. وقد وصف الله هذا البيت المبارك بقوله (إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات) ان الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يكرم إنساناً أكرمه فى ولده ولم يكرم نبى فى ولده قدر زكريا وزوجه فقد وصفه به قبل مجيئه بصفات عظيمة أصبحت واقعاً رائعاً بعد مجيئه وهذا تكريم كبير لهذه الزوجه المطيعة المؤمنة بالله والمسارعة إلى الخير والبارة بالناس والمساندة لزوجها فى دعواه بكل كيانها وجدها وهي الأم العظيمة زوجة النبي العظيم أم النبى العظيم المتوج من ربه بصفات قلت فى مثله هذه الصفات عرفناها فيه قبل مجيئه لكنه لايتصور أن يتصف بشيء من صفات مثل هذه من أم لاتتمتع بها فهي فى الأرض التى أنبتت هذا النبات الخصب الرائع وكان من أجمل الصفات أنه كان كما جاء فى القرآن الكريم (وبرا بوالديه ولم يكن جباراً عصياً). ومن فضل الله على هذه المرأة الطيبة أنه جعلها تطمئن على ابنها حتى قبل مولده حين قال عز وجل من قائل (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً). قال سفيان بن عيينة - رحمة الله - أوحش ما يكون المرء فى ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوماً ما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيجد نفسه فى محشر عظيم فاكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه - وقد ذكر الطبرى عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع لى فأنت خير منى فقال له عيسى: بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسى. هذا هو ابن اليشاع طمأنها ربها عليه فى مولده وحياته ومماته حتى تهدأ لما أصابه فى حياته بعد ذلك من استشهاده وأبيه بيد هيروديا زوج هيرودس حاكم اليهود بفلسطين من قبل الرومان وكان قد تزوج من امرأة أخيه وهو على قيد الحياة وأنكر يحيى هذا الزواج لأن الديانة اليهودية تحرم أن يتزوج أحد من أمرأة أخيه وهو حي ودبرت هيروديا مكيدة فظيعة أتمتها ابنتها «سالومي» فقتل يحيى ثم قتل أبوه بعد ذلك بأمر المرأة الملعونة. هذه هى الزوجة والأم الصابرة المؤمنة التقية أولاً واخيراً أكرمها ربها فى حياتها ومنحها الصبر فى نهاية حياة زوجها وابنها فكانت نموذجاً رائعاً للزوجة المؤمنة الشاكرة لعطائه والصابرة على بلائه.