عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أعطانى أبى عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتنى أن أشهدك يا رسول الله قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته. الإسلام دين العدل والمساواة، شملت تشريعاته الحكيمة وهديه المستقيم كل جوانب الحياة والناس، وفي ظل العدل الإلهى أمن الناس على حقوقهم، واستقامت سائر المعاملات العامة والخاصة فشملت العدالة كل المجالات، عدالة في القول «وإذا قلتم فاعدلوا» وعدالة في الحكم «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» وعدالة مع الغريب والقريب. والحديث الذي معنا يؤكد الوصية بالعدالة إلى جانب الأولاد بما يعطيه الآباء «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» والعطية المشار إليها في هذا الحديث قيل إنها كانت حديقة، وروى أنها كانت غلاما، ويجمع بين الروايتين بتعدد الواقعة، فالأولى كانت عند ولادة النعمان وهى حديقة، والثانية بعد أن كبر النعمان وكانت غلاما. ولكن لنا أن نتساءل: كيف ينسى بشير ـ مع مكانته ـ الحكم في المسألة فيرجع ليستشهد الرسول صلى الله عليه وسلم على العطية الثانية بعد أن عرف الحكم في المرة الأولى؟ وبعد أن قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا أشهد على جور اللهم إلا أن يكون بشير ظن نسخ الحكم، أو يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في العبد لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. ،استظهر الحافظ ابن حجر أن يكون بشير قد وهب الحديقة لولده تطييبا لخاطر عمرة ثم بدا له فارتجعها، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن ترجعه أيضا فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للعطية ويكون الاستشهاد حصل مرة واحدة، وأما تعدد الألفاظ فلأن بعض الرواة حفظ مالم يحفظ غيره أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها تارة أخرى فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه. وقد تمسك الإمام أحمد بهذا الحديث في وجوب العدل في عطية الأولاد وأن تفضيل أحدهم حرام وظلم، وأجيب بأن الجور هو الميل عن الاعتدال والمكروه أيضا جور، وزاد مسلم: أشهد على هذا غيرى وهو إذن بالاشهاد فيكون الامتناع على جهة التنزه ولكن ضعف هذا بأن الصيغة مشعرة بالتنفير للتعليل بالجور وقد تمسك من أوجب التسوية برد بشير للعطية. أما الجمهور فقد حمل الأمر على الندب والنهي على التنزيه فيكره تمييز بعض الأولاد مخافة أن يؤدي هذا إلى العقوق.. نعم إن تفاوتت حاجة الأولاد فلا بأس بالتفضيل وإذا ارتكب التفضيل المذكور فالأولى أن يعطي بقية الأبناء ما يحصل به العدل... وفي الحديث جواز الرجوع عند التفضيل، وعند أحمد يجب الرجوع نحو ذلك ويجوز التفاضل إن كان له سبب كأن يحتاج الولد لزمانته أو دينه أو نحو ذلك دون الباقين. وقال أبو سيف: يجب التسوية إن قصد بالتفضيل الاضرار. وإذا نظرنا إلى رأي الجمهور في المسألة: نرى أنهم يحملون الأمر بالتسوية على الندب، منهم مالك والليث والثورى والشافعى وأبو حنيفة وأصحابه، وأجازوا أن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية، والتسوية أحب إلى الجميع ويرى البعض وجوب التسوية بينهم في العطية، ومن هؤلاء ابن المبارك وأحمد والظاهرية وبعض المالكية، لظاهر بعض الألفاظ ولأن التسوية مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدى إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدى إليهما وسبب اختلاف الفقهاء في حمل الحديث على الوجوب أو الندب هو اختلاف الألفاظ، فقوله في روايته «فأرجعه» وفي أخرى «أشهد على هذا غيرى وفي غيرها «أيسرك أن يكونوا في البر سواء» إلا إذا حمل الجور على مجرد الميل لقرائن قائمة. قال القاضي عياض: والجمع بين أحاديث الباب أولى من طرح بعضها ومن توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه ووجه الجمع: أن تحمل كلها على الندب. وأرى أنه يجوز أن يخص بعض أبنائه بشيء على أن يكون سائر الأولاد راضين وأن التسوية مع هذا أفضل، والأمر في الحديث محمول على الندب وليس على الوجوب والنهى محمول على التنزيه وليس على التحريم لجواز هبة المرء بعض ماله للغريب، ومما يؤيد ذلك عمل الخليفتين أبى بكر وعمر بعد النبى صلى الله عليه وسلم، بعدم التسوية، أما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته: إنى كنت نحلتك نحلا فلو كنت اخترته لكان لك وإنما هو اليوم للوارث وأما عمر فذكر الطحاوى وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن أخواتها كانوا راضين بذلك ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر وأما صفة التسوية فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطى الذكر حظين كالميراث واحتجوا بأن حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه: سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء. استحباب العدل بين الأولاد والتسوية بينهم في العطية. والندب إلى التأليف بين الأخوة والبعد عما يوقع بينهم البغضاء أو يورث العقوق للآباء، للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأم، وهو قول أكثر الفقهاء إلا أن المالكية فرقوا بين الأب والأم، فقالوا: للأم أن ترجع إذا كان الأب حيا دون ما إذا مات وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لم يستحدث دينا أو ينكح وبذلك قال إسحاق وقال الشافعى: للأب الرجوع مطلقا، وقال أحمد لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقا. وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعا، وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك. ـ رئيس جامعة الأزهر