منذ سنوات عدة يشتغل الفنان السوري زكي كورديلو على احياء فن الأراجوز وتوظيفه في العروض المسرحية، وقد أسفرت جهوده هذه عن مسرحية «ظل ونور» التي تقدم حاليا في قصر العظم بدمشق، عن نص لأكرم التلاوي، أعده وأخرجه وشارك في أدائه كورديلو، فما هي عناوين هذه التجربة وإلى أي مدى نجحت في تجسيد غاياتها؟ تتكون بنية العرض النصية من مجموعة من اللوحات الاجتماعية الانتقادية الساخرة التي تقارن ما بين الأصالة والقدم والحداثة والمعاصرة، عبر المقارنة ما بين فنون الأراجوز والحكواتي وخيال الظل، وما بين الدراما التلفزيونية، فالأولى من وجهة نظر العرض كانت بيد الصناع المهرة أو أصحاب المهنة، وكانت تلتصق بهموم المواطن الحقيقية وحياته، في حين ان الثانية أي الدراما ابتعدت عن اشكالات الحياة، وغدت لعبة التجار وعديمي الموهبة والمعرفة، ومن خلال هذه المقارنة يتم التلميح إلى بعض اشكالات الواقع الراهن كالفساد والرشوة وانسحاق المواطن العادي أمام لقمة العيش وأجهزة القمع، وطبعاً مقولة العرض النهائية تنتصر بالكامل لكل ما هو قديم وتراثي وتعتبره رمزاً للهوية والأصالة حيث ينتهي العرض بأصوات المتفجرات وصافرات الانذار بعد ان يقوم السائح الأجنبي بسرقة أراجوز. اتبع كورديلو لاخراج العرض أسلوب المسرح الواقعي الفقير وكسر جدار الوهم منذ البداية بإدخال شخصية الحكواتي أو الراوي التي قام هو نفسه بأدائها، وقد وزع القسم الخلفي من خشبة المسرح ما بين صندوق الفرجة وألواح القماش المستخدمة في تقنية خيال الظل، بينما ترك القسم الأمامي من الخشبة خاليا لتملأه حركة الممثلين وبعض الأغراض الضرورية التي سخرت ضمن وظيفتها الواقعية ككرسي القش مثلاً، وقد تتالت اللوحات ما بين صندوق الفرجة والأخيلة والمشاهد التمثيلية، وجاءت لتقول ما في النص المعد دون بحث معمق عن معادلات بصرية فنية تغذي فضاء إشارياً يتناسب وأفكار العرض ومدلولاته أو يستطيع ان يوفق ما بين الفنون، والمسرح، والأراجوز، ويصهرها في بوتقة واحدة ذات خصوصية تعبيرية ما، وكما ان المخرج لم يستطع ان يمسك بزمام نصه جيداً، كذلك أفلتت الشخصيات من أيدي الممثلين الذين باستثناء كميل أبو صعب، لم يوفقوا في رسم ملامح شخصيات بإمكانها ان تخدم سياق العرض. وهكذا فإن عرض «ظل ونور» على الرغم من نواياه الطيبة والكثير من الأسئلة الجادة التي أثارها، لم يستطع ان يبعث بمتعة التلقي، ولا ان يصل إلى غايته الأساسية لخلق فضاء مسرحي جديد يستمد هويته من الفنون التراثية الأصيلة، كذلك فإن مقولته النهائية تحتاج لإعادة نظر إذ ليس من المعقول ان نغادر شاشات التلفزة ونقبع في صناديق الفرجة أو ان نمارس أي فعل مشابه في عصرنا هذا تحت حجة الحفاظ على الهوية والأصالة، وان كان ثمة توظيف خاطئ لوسائل الاتصال الحديثة في مجتمعاتنا، فهذا عائد للسياسات والعقول التي تحكمها، وهي التي تحتاج للاستبدال وإعادة النظر لا وسائل الاتصال بحد ذاتها التي باتت تشكل عصب الحداثة والتحديث، وما ينطبق على هذا الجانب ينطبق أيضاً على كل جوانب الحياة الأخرى من اقتصاد وسياسة وفنون. دمشق ـ تهامة الجندي