عندما كانت الحرب الأهلية اليوغسلافية في أوج استعارها قام الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بزيارة إلى تلك المنطقة في وسط أوروبا واستهدف بشكل محدد الوصول إلى المدينة ذات الرموز الكثيرة بالنسبة للبوسنة والهرسك، حيث كانت تدور رحى المعارك آنذاك. بعد ثماني سنوات من تلك «الرحلة الشهيرة» وبعد وفاة فرانسوا ميتران يقوم الصحفي «ماثيو برونستاين» بنوع من عملية «تشريح» دقيق لأسباب تلك الرحلة واهدافها القريبة والبعيدة، ان بعض المعلقين رأوا في عمل ميتران منعطفاً حقيقياً شهدته الحرب البوسنية إذ ومنذ عودة الرئيس الفرنسي إلى العاصمة باريس سيطرت قوات الأمم المتحدة على مطار مدينة سراييفو الذي كان تحت سيطرة الصربيين ووصلت للمطار اعتباراً من تاريخ 29 يونيو 1992 المؤن والمساعدات الانسانية، والأدوية، وكان الرئيس ميتران نفسه قد صرح قائلاً: «ان ذهابي إلى سراييفو له طابع انساني بحت بالدرجة الأولى. هذه المدينة محاصرة ومغلقة على ذاتها ومقطوعة عن بقية العالم، وهذا أمر لا يمكن القبول به أبداً. لكن مؤلف الكتاب يذهب في محاولته لشرح الأسباب العميقة التي دفعت الرئيس الفرنسي آنذاك للقيام بزيارته المحفوفة بالمخاطر، لا سيما وانه لم يتخذ أية اجراءات للحماية إلا بعض المرافقين من الحراس. ويؤكد ـ أي المؤلف ـ بأن تلك الرحلة «غير المألوفة» دبلوماسيا كانت تنم عن نوع من «البعد الشكسبيري» في شخصية الرئيس الفرنسي الذي أراد ان يدل عبر «حركة جميلة» عن عجز الاوروبيين عن تقديم حل للنزاع المدمر الذي دفع المدنيون الأبرياء أبهظ ثمن فيه. ويحتوي هذا الكتاب على عدة شهادات لشخصيات كان لها علاقة مباشرة بما كان يجري في البوسنة آنذاك من أمثال سكرتير الدولة الفرنسي الحالي للصحة برنار كوشنو وكلود جوبل الطبيب الخاص السابق للرئيس ميتران وكمال موفتيك مستشار الرئيس البوسني آنذاك عزت بيجوفيتش، وغيرهم. ولعل الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب هو بالتحديد محاولة القاء بعض الأضواء الجديدة على الشخصية المعقدة التي كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران يتحلى بها والذي لم يتردد في التصريح بأكثر من مناسبة بأنه يحب الصربيين، لكن هذا لم يمنعه من التوجه إلى العاصمة البوسنية التي كانت تعاني من الحصار منذ حوالي ثلاثة أشهر تقريبا، لقد أراد ميتران ان يرى بنفسه مدى الدمار الذي عرفته سراييفو، وأظهر عبر قراره السفر إلى تلك المدينة مدى ميله للتفرد بممارسة السلطة بعيدا عن أية مشاورات مع نظرائه الأوروبيين، نظرائه وشركائه أيضا، بل ويؤكد المؤلف ان الحسابات السياسية الفرنسية الداخلية كان لها وزنها في اتخاذ مثل ذلك القرار، لا سيما وانه كان يتم التحضير للاستفتاء حول اتفاقية «ماسترخت» لتحقيق الاتحاد الأوروبي. كتاب عن الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران عبر «بوابة» سراييفو ساعة حصارها عام