استضاف تجمع سامة الفني بدمشق فرقة المسرحي التونسيّ توفيق الجبالي في عرضٍ مُستوحى من «المجنون» لجبران خليل جبران، حيث اختتمت الليلة الخامسة بنقاش مفتوح، تمنّى الناطق باسم تجمع سامة أن يكون ودّيا، وقد كان! تصلح الأسئلة وآراء المشاركين، وكذا.. إجابات الجبالي، في ذاك النقاش، أن تكون بديلا عن الكتابة حول عرض إشكالي مثل «المجنون»، وخاص جدا، ذاتي جدا، ثم تكون الكتابة عن هكذا عرض «خاصة جدا» بحيث لن يفهمها أحد! اعتبر الجبالي في توصيفه لقراءته «مجنون» جبران، أن مفتاح العرض هو «الجنون»، مؤكدا على الحرية المطلقة في الابداع، ثم أضاف إليه أحد المناقشين: الحرية المطلقة للمتلقي.. بحيث باتت الحرية نسبية والابداع مضافا إليها أو مجرورا بحرف جر! وأشار آخر إلى كون هذا العرض نخبويا، يُخاطب جمهورا نخبويا جدا. وما إن نوّه أحدهم إلى عَبَث محاولات نزع «الدراما» عن المسرح، وعن مجموعة الأفعال على الخشبة «الركح»، حتى استهوت الجبالي لعبة التهكم من «الدراما» ذاهبا في الأمثلة إلى أقصاها، عن مسرح الحكاية والحبكة والسرد، مؤكدا أن مسرحه ليس معنيا باللغة، ولا حتى بإطلاق سؤال ما، إنما هو بحث ذاتي محض، بل.. هو مجرد اشارات ورموز وطلاسم كما يفعل الساحر! في الندوة الدمشقية عن مجنون الجبالي، نوه أحد الحاضرين إلى أن المسرح تواصل إنساني بالحركة والكلمة، وأن الجبالي قد استعاض ـ في عرضه هذا ـ عن الصوت البشري للممثل بالصوت «الديجيتال» المسجل مسبقا طيلة فترة العرض، سوى المشهد الافتتاحي، وبهذا ابتكر الجبالي أول قطعة تعبيرية عن نص جبران، فإذا كان نص جبران غائبا فثمة نص آخر للجبالي غير مدرك ولا محسوس ولا ملموس، خصوصا حين استعاض الجبالي عن «المشهدية» بألعاب الضوء «الزرقاء الفوسفورية والبرتقالية»، وبشاشة ضوئية كان «الحاسوب» مخرجها فحسب! إلى درجة تَشيء الممثل فيها حتى لم يعد وجوده ضروريا. وما ان تكرر توصيف اثنين من المشاركين في الندوة لعرض الجبالي بأنه عرض تقنية وتقانة، حتى غضب الجبالي من إشارة بالغة الحساسية، قالها أحدهم.. حين توقع عروضا قادمة للجبالي من غير ممثلين، طالما الشاشة الرقمية تُغني عن كل وجود وكينونة إنسانية على الخشبة! في معرض دفاعه عن استخدامه المكثف للتقنيات في عرضه، شرح الجبالي للحاضرين أنها تقنيات بسيطة، وحتى متخلفة، بالنسبة لما استخدمه ويستخدمه المسرح الغربي، حتى تخيلت عروضا بأشعة الليزر في سماء دمشق، سيُقال إنها مسرح، ثم لا ننبس ببنت شفة انبهارا وخوفا من جهالتنا بالتقانة! ولم يستطع الجبالي أن يبلور في ندوة النقاش الدمشقية مفهومه عن «التفكيك»، خصوصا حين قاطع احدى الحاضرات من سؤالها عن «آرتو» ومسرح القسوة، فلم يتركها تكمل ما كانت تريد التعبير عنه! كان نص جبران حاضرا في «مجنون» الجبالي، إلى درجة لم يتمكن فيها من اقصائه حتى بواسطة الصوت المسجل، فيما كانت كل مقاربات العرض الأخرى: الاستعراضية أجسادا، وألعاب الضوء، والشاشة الضوئية، في واد آخر، وشديدة الوطأة بتقانتها إلى درجة التخمة بعد قليل من الانبهار البصري. قال الجبالي في الندوة الدمشقية بتفكيكية جاك دريدا، من حيث لا يدري وهو يدري، وباللغة أنساقا من الاشارات، وبالسينوجرافيا بديلا عن الدراما.. معللا كل ذلك بـ«الجنون» مفتاحا فحسب، وأحاسيس في هواء من التقانة، من غير أن يقنعني ـ كمتفرج مبتديء ـ بأي من اقتراحاته الشكلانية، وحتى بتفكيك الجنون إلى بنية مسرحية موازية دلالاتها الجنون! من حق توفيق الجبالي ـ وأسرته المسرحية التي لم نسمع لها صوتا حتى في ندوة النقاش! ـ أن يصعد الطائرة عائدا إلى تونس تاركا في دمشق إشاراته الغامضة! نجم الدين السمّان
