بين فترة وأخرى، ينسلخ الفنان داود القيسي عن مسئولياته الجسيمة كنقيب للفنانين العراقيين، ويتوجه إلى الاستوديوهات ليطلق نبرات صوته القوية بصدق وحرارة واحساس عال، مؤدياً أغاني وطنية عرف واشتهر بها، وبتمسكه بأدائها، إلى درجة أبعدته تماماً عن ولوج ساحة الطرب العاطفي. بعد أن غنى للقدس ضمن مجموعة من المطربين، متميزاً عنهم بانطلاقة صوته الحماسية، عاد بهدوء إلى مقعده في نقابة الفنانين ليباشر مسئولياته وإشرافه على شئون الفنانين المهنية والنقابية، وهناك التقيناه لنخوض معه في حديث فني ونقابي، يضم بين جنباته أسئلة عن سبب تعلق القيسي بالأغاني الوطنية، وعن جوانب نقابية مختلفة...ابتدأنا حديثنا بسؤاله عن نقطة البداية، وفيما اذا كانت عاطفية ام وطنية ايضاً؟.. قال: ـ قدمت أغنية عاطفية واحدة، وبعدها وجدت نفسي في حضرة الأغنية الوطنية لأن للأغنية العاطفية أصواتها الجميلة والمعبرة عنها. ـ هل هذا هو سبب تمسكك بأداء الاغنية الوطنية؟ ـ أنا لم أغن الأغنية الوطنية لأسباب دعائية، بل لأترجم مشاعري الوطنية والقومية إزاء ما مر بالعراق والأمة العربية من أحداث جسام.. وأحاول إيصال رسالة بقالب فني مدروس من الجانب الإيقاعي واللحني، وبمشاركة الكورال، والصدق في الأداء. ـ ماهي ملامح الاغنية الوطنية التي تؤديها ؟ ـ لقد قدمت خلال مسيرتي التي بدأت في عام 1968، أغنية وطنية ذات حلة جديدة، ومضمون متجدد، معتمداً على الأسس التالية: النص الغنائي ذو اللغة السلسة القادرة على الوصول إلى أكبر عدد من الأسماع، والصياغات اللحنية المعتمدة على الموروث والفولكلور، مع توظيف الاهزوجة و (الهوسات) الشعبية.. فهذا يمنح الأغنية الوطنية ثراءً وخصوبة ويزرعها على شفاه الناس، كما حدث مع أغنياتي التي لايزال يحفظها الكبار والصغار، ويرددونها أحياناً في المناسبات، وتعزفها الموسيقى الشعبية في الأعراس. ـ إذن، أنت تجد متنفسك في الأغاني الوطنية؟ ـ أنا اتبع مشاعري الوطنية، وأجسّد لوناً يحاكي متاعب وهموم المواطن العراقي والعربي على السواء، ولم أعتد غناء هذا اللون اعتباطاً، بل أهتم باختيار الكلام واللحن، ولا أؤدي أغنية لا تناسبني. ـ هل يوجد مطرب شاب كرر مسيرتك؟ ـ كلا.. الأغنية الآن صارت أغنية مناسبة، وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشباب المناسبات ليؤدوا الاغنية (الوطنية)، أجد أن تقديم هذه الأغنية لايتحدد بوقت معين، فهو انعكاس لشعور صادق. ـ نجد أن اسلوب غنائك اختلف بعد الحرب فما هو سبب الاختلاف؟ ـ الأناشيد التي قدمتها وحتى نهاية السبعينيات كانت (أناشيد تعبوية) مطعمة بالايقاع الراقص، فيها رقة التعبير... كنت أعمد إلى مشاركة الأطفال في أداء بعض المقاطع، لأن تلك الفترة كانت تمثل حصاداً حضارياً وتاريخياً لما طرأ على البلد من تغير وتطور إيجابي.. غنيت آنذاك أغنية تمثل حياة العراق الجديدة، أما بعد الحرب فقد أديت الأغنيات ذات الطابع الملحمي التي تنسجم مع المرحلة. ـ ماهي السبل التي تجعل الاغنية الوطنية معمّرة في ذاكرة الأجيال، ومعبرة عن طموحات الجماهير؟ ـ إذا كانت الأغنية صادقة ومعبرة عن الحالة التي ولدت من أجلها مثل أغنية (ياكاع ترابج كافوري)، وغيرها. ـ هل تعتقد أن نجوم الطرب قديماً كانوا أكثر مسئولية وحرصاً على تمثيل قضية امتنا العربية؟ ـ بالتأكيد.. فنجوم الطرب العربي قديما يمثلون نخبة واعية من طليعة المجتمع، ولهم دور في التصدي لمواجهات أمتنا العربية والدفاع عنها. وفي بعض الأجيال كان صوت الفنان أمضى من صوت الرصاص والمدفع، والنتائج التي يحصدها الفنان قد لا تأتي بها السياسة لعدة سنوات. فنجوم الطرب قديماً كانوا أكثر وعياً من الآن، ضمير الأمة ومرآتها.. والدليل أن جميع الفنانين العرب حضروا إلى بغداد وغنوا لها مثل أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، وفايدة كامل، ووردة الجزائرية، وسوزان عطية، وسميرة سعيد، ووديع الصافي، وغيرهم. ـ شاهدناك في أغان وطنية جماعية، ماهي الأغنية الأكثر تأثيراً في نظرك.. الانفرادية أم جماعية؟ ـ في مناسبة ما، وعندما تحتاج إلى شحذ الهمم وتقوية العزائم تكون الأغنية الجماعية أكثر تأثيراً...بالنسبة لي، أنا أتمنى أن أحقق حلم الغناء وسط كورال كبير، ضمن عمل جميل كلاماً ولحناً، وأن أقدم ومضات انفرادية تشبه الأهازيج الشعبية ضمن الكورال، ويرددها الناس ورائي. عدوية الهلالي