بيان الكت: :يسعى الكاتب والباحث السوداني محمد جلال أحمد هاشم، عبر كتابه (منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية)، إلى معالجة إشكالات التراث والثقافة والهوية في السودان، معتمدا الثقافة «الكل المركب الذي يشمل سائر نشاطات المجتمع من عادات وتقاليد ومعتقدات وفنون وممارسات ومؤسسات بما في ذلك وسائل كسب العيش. وغيرها «كإطار مرجعي ونظري، وسمى المؤلف هذا المنظور «منهج التحليل الثقافي» وهو ينظر إلى الثقافة على أنها عملية جدلية، ساعيا إلى تأسيس خطاب ثقافي يتيح مقاربة موضوعية وعملية ومفهومية لمفاهيم طغى الحديث حولها في السودان خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، من نحو: الهوية والانتماء ـ القبيلة والقومية الذاتية والشخصية السودانية ـ الصراع الثقافي ـ القهر والاضطهاد الثقافي والسياسي ـ الديمقراطية والدكتاتورية.. الخ. ويقرر الكاتب أن: «الثقافة هي تراكمات القوالب السلوكية التي أثبتت جدواها عبر تاريخ الإنسان ممكنة إياه من اكتساب النفوذ على قوى البيئة الطبيعية، ليتمكن بدوره من تأمين حياته، محافظا على الخيرات المادية والمعنوية التي احتازها، وانتجها، كل ذلك عبر عملية ممارسة السلطة المركبة» ويشير المؤلف إلى أن القوالب السلوكية تتفاعل ديناميكيا داخل الثقافة (الكل المركب) وداخل ذاكرة المجتمع سواء كان ذلك عبر الوعي المباشر أو عن طريق تبادل المفاهيم (الوعي غير المباشر) ويبين الكاتب أن ثمة قوالب سلوكية لا يمكن أن تنتفي وظائفها مثل الزي كقالب سلوكي لا يمكن أن تنتفي وظيفته مع المحافظة على ذات حدوده المعرّفة لشكله، لذا فهو قالب سلوكي أصيل، أي أن أصالته تكرست عبر التاريخ، وثبت للذين تشكل لديهم هذا القالب ـ أو ورثوه ـ أنه لا غنى لهم عنه من حيث انتفاء الحاجة إليه، لذا فإن القوالب السلوكية، من خلال أداء وظائفها تلك تكون قد حققت أصالتها من حيث أن الإنسان لم يطق عنها غناء، ولذلك فهي أصيلة، بل بمقدورها التعبير عن قيم استجدت مع تعاقب الأيام، ومن ثم إشباعها لنهم الإنسان جماليا، ويصل المؤلف من خلال مقاربة الزي كقالب سلوكي إلى أن مناط الاحتكام، مسألة الأصالة والمعاصرة فيما يختص بالقوالب السلوكية، هو الثابت والمتحرك من حيث الشكل والوظائف والقيم. ويوضح المؤلف أن تجاوز القوالب السلوكية لبواعثها الوظيفية الأولية، إن هو إلا استقلال عنها الأمر الذي يؤشر إلى أن فعل الاستقلالية هو من نتاجات الوعي المباشر، وذلك عندما نعمد إلى قوالبنا السلوكية فنستقل بها عن قيم بعينها محققين أصالتها، وإشباعا لقيم ناهضة حادثة محققين بذلك معاصرتنا، إن الاستقلالية ليست هي الأصالة فحسب، بل هي أكثر من ذلك، إنها التأصيل وهنا يكمن دور الوعي المباشر في استلهام تراثنا «فولكلورنا» وثقافتنا. ويقرر المؤلف أن الاستقلالية ـ كمفهوم ـ لا تنكفيء عند حد استقلال القوالب السلوكية عن بواعثها الوظيفية الأولية، معتبرا انها استقلالية بسيطة، مشيرا إلى أنها تعني أن يحقق الإنسان ذات نفسه سيكولوجيا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا: أي حضاريا، وتعني، أيضا، ألا يعيش الفرد أي حالة من حالات الاغتراب أو الاستلاب، مبينا أن الاستقلالية هي تحقيق الذات بينما الاغتراب يؤشر إلى نفي الذات، ذلك أن اغتراب الذات ينتج عن، كما يفضي إلى، حالة اغتراب ثقافية، بينما استقلالية الفرد تعني عضوية فاعلة وناشطة وبناءة. وعند مقاربة الهوية وجدلية الانتماء وصراع السلطة يشير المؤلف إلى أن الصراع الثقافي صراع جدلي، بمعنى أنه في حال صراع الثقافات لا تنتصر ثقافة على أخرى، لكن عند بلوغ الصراع ذروته ينبثق عن خصائص ثقافية مشتركة تسمح بالتعايش السلمي بين الثقافات المتصارعة، أو تؤسس لذلك على أقل تقدير، وفي مقلب آخر نجد أنه في حال تلاقح ثقافة ما مع ثقافة، أو ثقافات أخرى، فإنها تثري بعضها بعضا، وبالمثل فإن الثقافة إذا انغلقت على نفسها وانكفأت فإنها تتحلل، وربما تموت أو تبتلع من قبل ثقافة أو ثقافات أخرى، إذ أن أصالة الثقافة ذات صلة وشيجة بعملية توليد السلطة، ومن ثم الدفع بابنائها لاستشعار السيادة والعمل على بسطها على ما عداهم، وكل ذلك يتجلى في قيم عدة منها: الكرامة ـ العزة... الخ. ثم يتوقف عند بعض الآثار الدامية لصراع الثقافات عندنا ويشير إلى أن بعض الصراعات تنجم عنها صدامات دموية كما هو الحال بين مجموعة من قبائلنا السودانية في مناطق التماس والاحتكاك القبلي، وهو صراع ثقافي يدور حول النفوذ: السلطة والسيادة، ومن الممكن أن يمهد مثل هذا الصراع بأدوات أخرى إلى تلاقح ثقافي، الأمر الذي سيثري ويغني كلا الثقافتين في حال اعتماد أدوات الحوار والمثاقفة ذلك لأن طبيعة الصراع الثقافي في السودان جدلية، لن تنتصر فيها ثقافة على أخرى، كما يمكن أن تنبثق عن صراع الثقافات السودانية قواسم مشتركة عدة تجعل الثقافات المصطرعة أكثر أصالة. ويتساءل المؤلف عن الثقافة المستولدة من صراع الثقافات (الثقافة السودانية الجامعة)؟ ويجيب بأن توازن النتاجات الثقافية داخل المجتمع تنتج عنه درجة ملحوظة من التماسك الثقافي، الناتج عن جدل الحوار الثقافي، وهذا بدوره يؤدي إلى إحساس الفرد بانتمائه إلى المجتمع، هذا الانتماء ـ وإن لم يكن ثقافيا ـ إلا أنه يتم اسقاطه على الأرض والعرق ـ أي اللون ـ أي المحسوسات، وهنا تكمن النقطة التي ود المؤلف اجلاءها: (إن الثقافة بهذه الكيفية، تختط لها حدودا معنوية، تدعمها بأخرى مادية تكمن في اللغة، اللون، الزي، الأرض... الخ). ويؤشر المؤلف إلى أن عملية الاستيلاد الثقافي لا تعني، بحال، تذويب الحدود الفارقة بين الثقافتين، وذلك لأن هذه الحدود من حيث كونها أضحت وعيا بالانتماء لا تكون قد استقلت، ولأجل التحري من ذلك يمكن الاستشهاد بالواقع الثقافي السوداني من خلال الحدود الثقافية، إذ أنه على الرغم من انتظام التلاقح الثقافي، فيما هو عليه حال (الجعليين) و(الشايقية) فهم ينتمون إلى ثقافة واحدة أصلا، لكن على الرغم من ذلك اختطوا لهم حدودا تميزهم عن بعضهم بعضا. ويأتي المؤلف إلى المنطقة الأكثر حساسية في مسألة الهوية السودانية وهي الانتماءات القبلية، ويبين أن أولئك الذين ينكفئون في انتمائهم البسيط (القبيلة) ويكتفون بذلك، يختزلون السودان كله في قبيلتهم، مشيرا إلى أن العلاقة بين الانتماء البسيط (القبيلة) والانتماء المركب (الأمة) هي علاقة تجاوز بمعنى أن الإنسان عندما يرتفع بانتمائه من البسيط إلى المركب لا يفعل ذلك تبرؤا من قبيلته وتخليا عنها، إنما يفعل ذلك لأن الانتماء المركب يحتوي الانتماء البسيط في داخله دونما تناقض، بحيث يتم النظر إلى السودان على أنه لوحة تشكيلية فاتنة، كل منا شارك في إنتاجها بفرشاته، إن الاعتزاز باللوحة ككل يستبطن في داخله الاعتزاز بمساهمات الآخرين جميعا دون فرز، وهذه هي القومية السودانية، وبذا يتم الاعتزاز بالقبلية لا محاربتها أو تذويبها. وحول الديمقراطية يقرر المؤلف أن المركز يستلب الهامش ويعيد انتاجه، بل إن المراكز الحضرية في الأطراف تتحول إلى مقايسات ثقافية تقهر هوامشها. كما يفعل المركز المثال، ويدعو المؤلف إلى إعادة صياغة العناصر المكونة للجغرافيا السياسية في البلاد، ومن ثم إعادة النظر في الكيانات والمؤسسات السياسية، بكلمة واحدة يدعو المؤلف إلى إعادة التركيبة البنيوية السياسية في السودان، وإعطاء دور أكثر فاعلية وقوة لقوى المجتمع المدني، والعمل الأهلي وسائر المؤسسات غير الحكومية لتعمل على إصلاح الخلل البنيوي وتهيئة البلاد والمجتمع لاستقبال ديمقراطية مقترنة بالتنمية والتوزيع العادل للسلطة والثروة. إن كتاب (القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية والثقافة في السودان) بانوراما بحثية تتوسل التحليل الثقافي والفكري لمقاربة أزمات التخلف والفقر والعوز السياسي، وتجتهد لتقديم اجابات ناجعة عن أسئلة قلقة شغلت المشهد الفكري والثقافي والسياسي في السودان لأكثر من نصف قرن من الزمان. محمد الاسباط