هل تستطيع اتجاهات وافكار الجيل الجديد من الشباب ان تخرج السينما المصرية من صمتها المطبق طوال العشر سنوات الأخيرة؟ (فيلم ثقافي) الذي فجر مفاجأة للجميع بوجوده مدة طويلة في دور العرض, إلى جانب الايرادات غير المتوقعة التي حققها رغم ان نجومه من الوجوه الجديدة غير المعروفة لدى الجمهور هو ما يدفعنا إلى طرح هذا التساؤل؟.. فهو يعتبر بحق فيلماً جميلاً وسط افلام قبيحة, فيلماً صادقاً وسط افلام كاذبة, فيلماً سينمائياً وسط افلام تتحدث بكل اللغات ما عدا لغة السينما... الغريب فعلاً.. ان يتوالى على دور العرض في الامارات اكثر من فيلم مصري جديد في فترة زمنية قريبة.. فمن (العاصفة) إلى (كرسي في الكلوب) إلى (فيلم ثقافي).. افلام كلها من صنع دماء شابة, استطاعت ان تطرح مواقف جريئة وغير مسبوقة وان تقتحم مضامين وتلقي الضوء على ما كان يعتبر سابقاً من (المحرمات)!! بل انها كشفت وهو أمر ليس بالهين ولا الحدث العارض عن مولد فنانين جدد (ممثلون ومخرجون وكتاب سيناريو). لم يعرفهم احد من قبل.. صدمونا في انفسنا وصنعوا افلاماً تحت ابصارنا مهمومة بقضايا جيل كامل يصارع من اجل تغيير واقعه إلى واقع أفضل. و(فيلم ثقافي) من انتاج (مجموعة العدل) ولا يعني المشاهد أو الناقد ان يكون منتجوه آل العدل.. ولكن ان يكون ما يجمع بين افراد هذه العائلة حب الرغبة في صنع فن جميل.. والمغامرة بتقديم مخرج جديد (محمد أمين) مع مجموعة من الممثلين غير المعروفين (احمد رزق ــ فتحي عبدالوهاب ــ احمد عيد), فهذا يثبت انهم قادرون على احداث مانأمله واشبه بالحلم في زمن تحول الحلم فيه إلى كارثة! ومنذ سنوات طويلة لم تشهد السينما المصرية فيلماً كوميدياً هو نموذج للكوميديا كفن درامي, او ما نطلق عليه الكوميديا الراقية مثل (فيلم ثقافي) الذي كتبه مخرجه محمد امين, فهو لم يكن يقصد اضحاك الجمهور, أو بمعنى ادق لم يكن هدفه الوحيد ان يضحك الجمهور, بل ان يعيش مشاكله ويتفاعل معها بالضحك خصوصاً ان ما يعرض قضية حساسة كان يمكن ان يفلت معها منه الزمام في اي وقت وتدخل في نطاق ما هو محظور أو ما يخدش الحياء. والذي اقصده بالجديد في (فيلم ثقافي) هو جرأة اقتحام مرحلة حرجة وتعريتها لحياة ثلاثة شبان قاربوا على نهاية العشرينيات من العمر يعانون من الفراغ القاتل نتيجة طبيعية للبطالة حيث يقعون فريسة لمشاهدة الافلام الجنسية, وهو نوع من الاسقاط لحال شبابنا الذي يصل إلى ما بعد عمر الثلاثينيات وهو غير قادر على الزواج أو بناء وتجهيز سكن, بل هم يرفضون المستقبل مستهزئين على لسان أحدهم حلول الحكومة المسكنة,.. لا تطلبوا منا ان نذهب للصحراء لتعميرها؟! وفي رحلة البحث عن مكان لرؤية (الفيلم الثقافي) وهو مصطلح يطلق على الفيلم الاباحي الذي يحوي على مشاهد جنسية, وتحت ولع الاصدقاء الثلاثة لمشاهدة بطلة الفيلم (سلمى حايك) يقدم المخرج مشهدين يؤكدان ما يطلق عليه النقاد (كوميديا الموقف).. الأول عندما يذهب الأصدقاء الثلاثة إلى الكنيسة ليطلبوا من زميلهم مفتاح الشقة ليشاهدوا الفيلم في منزله حتى تنتهي مراسم دفن والده, وهنا يطلب القسيس من الحاضرين تذكر المواقف الصالحة للميت, وعندما يذهب (أحمد رزق) ليأخذ مفتاح الشقة من ابن المتوفي يعتقد القسيس انه جاء ليتحدث عن ذكرى صالحة للميت, فيطلب منه ان يتكلم, وبعفوية الموقف يبدأ بالبسملة داخل الكنيسة, ويطلق مع ضحكات الجمهور عنانه لمزيد من الضحك على شفاة محرومة من الكوميديا النظيفة.. الثاني عندما يذهبون إلى المبنى الاجتماعي المرفق بمسجد ويحتالون على مسئولته تحت دعوى انهم طلبة طب ويريدون مشاهدة عملية جراحية على الفيديو لدخولهم الامتحان خلال الساعات القادمة ويصادف قدومهم الصلاة ــ في مفارقة لوخز الضمير ــ فتطلب منهم المسئولة الذهاب إلى المسجد للصلاة وتكون المفاجأة طلب الشيخ الامام والموجودين بالمسجد لرؤية الفيلم كحدث علمي نادراً ما يتكرر.. ويأتي ردود فعل الابطال الثلاثة مفجراً الضحك حتى البكاء من دراما الموقف الذي ينقذهم منه صديقهم (فتحي عبدالوهاب) عندما يفصل تيار الكهرباء. ومع ما يتعرضون له من المواقف يستعرض المخرج حياة من فاتهم قطار العمر وتعرضوا لانتكاسات وصلت بهم للدمار النفسي وجسد ذلك ببراعة الفنان (ابراهيم يسري) في رعشة ملفتة للنظر وللمعنى, والعروسة (الفت امام) التي تصاب بصدمة عصبية لانها لم تصدق ان يغلق عليها باب مع زوجها بعد ان وصلت إلى عمر الثامنة والثلاثين, والممرضة (نشوى مصطفى) التي تفر منها اسعد لحظات العمر دون زواج فتصاب بالجنون.. وتكون مفاجأة (الفيلم الثقافي) الذي احتوى في بدايته بعض الاعلانات الدعائية عن فتيات جاهزات للتحاور معك في كل امور الجنس.. ان يختفي كل شيء بعد ثلاث دقائق وتظهر جلسة لمجلس الشعب المصري, لترتسم الدهشة على الوجوه, ويبقى التساؤل ليكشف (تفاهة) حياتهم, ويعيش معهم المتفرج لحظة الصدمة والتحول التي هي صلب الدراما.. والحق اننا لا نستطيع تقييم دور هذا الجيل, وربما تكون هذه مهمة جيل آخر قادم.. ولكن المؤكد ان السينما في اوائل عام 2000 أفضل منها في التسعينيات, وتشير إلى ان هذا العقد الجديد سيشهد تحقيق احلامنا التي طرحناها (كشخبطات) وتساؤلات وردية أو سوداوية على هذا الورق!ئ osama614@yahoo.com