بيان 2: دمشق ــ هاجر أحمد: ما دامت دمشق مهد الحضارة الانسانية فلابد ان تكون مهداً لأدوات الحضارة والتطور الانساني ففيها تمت ولادة الصناعات اليدوية المتقنة. فحرفة صناعة الأواني النحاسية قديمة قدم دمشق وتتميز هذه الصناعة بالاتقان والروعة والعراقة وما زالت تشكل احد اعجازات مدينة دمشق وقد تطورت مع الزمن بشكل كبير وذلك بسبب وجود المعادن في هذه المنطقة من جهة ووجود صناع مهرة من جهة اخرى فصناعة الدلال والقدور والسيوف والخناجر النحاسية كان لها شهرة واسعة في عالم الانتاج والتسويق. وأكثر ما تتواجد هذه الحرفة في حي (السويقة) وهو حي من احياء دمشق القديمة يشتهر بصناعة النحاس وتحويله الى أوان وأدوات مختلفة وهناك سوق متخصص بهذه الصناعة يدعى (سوق النحاسين) وهذا السوق خاص بصنع الادوات النحاسية فتجاره يستوردون صفائح النحاس ويقومون بطرقها في حوانيتهم يجعلون منها أواني مختلفة الاشكال والاحجام وكانت هذه الحرفة رائجة إلا انها تراجعت في الوقت الحاضر ولا سيما عند البدو حيث كانوا يشترون لوازمهم من هذه الحرفة كالقدر لطهي الطعام والدلال للقهوة والمراجل للحلب وصناعة الجبن وغير ذلك من الاواني النحاسية الاخرى. ويقول الجرفي حمزة زريق عن انواع النحاس المستخدم: (للنحاس نوعان منه النحاس الاحمر الذي يستعمل لصنع الاواني التي تستخدم لحفظ الماء والزيت لأن هذا النوع من النحاس لا يصدأ بفعل الرطوبة والسوائل كما ويصنع منه التحف التي تعطي بريقاً جذاباً للناظر اليها, أما النوع الثاني فهو النحاس الأصفر واستعماله كثير ويستعمل منه ادوات الزينة المختلفة كتزيين رأس الفرس من اجراس تعطي نغماً موسيقياً جميلاً اضافة الى جمالية وبريق النحاس, كما ويصنع منه مطاحن البن أو ما يسمى بـ (الجرن) والشمعدانات وملاقط النار). الى جانب صناعة هذه الادوات يكون هناك امر تزيينها وزخرفتها وترصيعها بالخيوط الفضية وغير ذلك من المعادن الأخرى وذلك بالاعتماد على الرسم وأصول الخط العربي ولهذا فصناع هذه الحرفة يتمتعون بمهارة عالية وذوق فني رفيع في الخط والرسم الدقيق لأنها حرفة يدوية دقيقة تحتاج الى التحلي بالصبر ودقة الملاحظة. أما فيما يتعلق بأدوات هذه الحرفة فيلخصها لنا الحرفي حمزة زريق بالقول: (ادوات الحرفة هي: منضدة خشبية, مطارق حديدية خفيفة ومتنوعة, اقلام الحفر الفولاذية, ازاميل, منشار احماض مؤثرة, اقلام رسم). ثم استطرد قائلاً: (اذا اردنا اكساب القطع النحاسية ألواناً جذابة وصقلها بحيث تبدو لامعة ذات بريق آخاذ يحب ان نتبع الطرق التالية: ــ أكسدة باللون القاتم, حيث تغطس الآنية المراد صقلها بمحلول كبريت البوتاسيوم الممددة بنسبة 10 جرامات مع اضافة 2000 جرام من الماء المغلي وبعد ذلك نغسلها بالماء الساخن ومن ثم نجففها بنشارة الخشب. ــ أكسدة باللون الأزرق, تغطس بمحلول الصوديوم بنسبة 5 جرامات مع 15 جراماً من خلال الرصاص في ليتر ماء ثم تغسل وتجفف. ــ أكسدة باللون الأحمر, تغطس بمحلول خلات الرصاص مضافا اليه الصوديوم بالكمية السابقة نفسها ثم تغسل بالماء الساخن وتجفف ايضا بنشارة الخشب. وفي مجال الحفر على النحاس وترصيعه بالخيوط الفضية فقد حدثنا محمد عبدالله قائلا: (نطلي الآنية النحاسية المنوي العمل بها بمادة الشمع ثم نجري الرسوم والخطوط وذلك بخدش الشمع بقلم معدني ومن ثم ايصال محلول حمض الآزوت الممدود بنسبة جزء من الماء وتركه مدة كافية حسب حاجتنا للعمق المنوي عمله وبعد ذلك نقوم بوضع خيط فضي داخل هذه الحفر, وبعدها نقوم بعملية طرقه حتى يأخذ مكانه المناسب في الحفر). كما والتقينا الحرفي ابراهيم كريم الذي حدثنا عن الخطوات الأولى لصنع الاواني النحاسية حيث قال: (نأخذ الصفيحة النحاسية ثم نختار شكل الآنية المطلوب صنعها ونقوم بإحماء هذه الصفيحة على النار عدة مرات حتى تتطاوع معنا عند طرقها لتأخذ شكل الآنية المطلوب, ثم بعد ذلك تأتي عملية الزخرفة والنقوش حيث ترسم النقوش بأقلام نقش فولاذية خاصة بهذه المهنة وبمساعدة المطرقة والسندان ثم تمسح القطعة جيداً حتى تعود الى أصلها الطبيعي وآخر مرحلة من الصنع تبدأ بحفر النقوش التي رسمناها ونلبسها بالفضة أو الكروم). وأخيرا لابد من القول إن حرفة النحاس وأعمال الزخرفة عملية قديمة وستظل ما دام الحرفي معنياً بتحقيق الغرض الجمالي الى جانب الغرض النفعي بكل قطعة ينتجها والعمل في النحاس لا يختلف كثيراً في دقته عن الدقة المطلوبة لحرفة الصياغة الذهبية الا بضخامة القطع النحاسية.