إذا كانت اللغة العالمية للتفاهم بين الشعوب هي لغة الفن والموسيقى.. فإن للحلبيين ريادتهم وتذوقهم الخاص في هذا الجانب اضافة إلى بصماتهم الواضحة والموثقة تاريخيا في التأثير بتجارب الآخرين الذين فيما بعد ظهرت أسماؤهم تتألق في مجال الغناء والتلحين الموسيقي. وحلب مدينة الفن كانت ولا تزال مهدا لمعظم الموسيقيين العرب وتعتبر معاهدها الموسيقية (معهد حلب الموسيقي تحديدا) من أول المعاهد الموسيقية في الوطن العربي ويعود لموسيقى هذه المدينة الفضل في تأسيس وحفظ القواعد الموسيقية وايقاعاتها والفنان (عمر البطش) يعتبر في هذا السياق ملحن الموشحات الأول في حلب حتى إن كبار الموسيقيين العرب والمصريين تحديدا كانوا يأتون إليه ليسمعوا ابداعه الموسيقي واللحني وليتعلموا منه ويذكر ان موسيقار مصر الشيخ سيد درويش قدم إلى حلب وأقام في بيت عمر البطش فترة زمنية طويلة استمرت عامين تأثر فيها سيد درويش بألحان وابداع الفنان الحلبي عمر البطش الذي كان عالما بفنون النوطة والذي كان حافظا لكل النغمات العربية والموازين الايقاعية ويقال انه اجتمع يوما بالموسيقار محمد عبدالوهاب وكان واسطة التعارف الشيخ علي الدرويش وعندما أراد أن يمتحنه عبدالوهاب طلب منه سماع موشح من مقام (السيكاه الأصلي) وتكاد تكون هذه النغمة مفقودة في ألحان الموشحات وفعلا أسمعه عمر البطش موشحا قديما صاغه له باحكام المبدع الفنان, وأثبت له مقدرته الابداعية اللحنية. أما أشكال التأثر الأخرى فقد بدأت مع هجرات الحلبيون الأوائل وغيرهم من المهتمين بشئون الموسيقى العربية إلى مصر فالبدايات كما تشير إليها الوثائق كانت في القرن الحادي عشر الهجري عندما سافر العالم الموسيقي (شاكر أفندي الحلبي) إلى مصر وقام بمهمة تحفيظ المغنيين هناك الموشحات والقدود الحلبية وأثمر هذا الجهد فيما بعد في تأليف كتاب (الموسيقى الشرقية) الذي ضم أكثر من مئتي موشح وجميعها وثقت من خلال ما حفظه وما تعلمه الموسيقيون والملحنون المصريون من شاكر أفندي الحلبي حيث يعود الفضل في توثيق هذه الموشحات إلى (كامل الخلعي) مؤلف الكتاب المذكور. وتأتي مساهمات أبو خليل القباني تلميذ الموسيقي الحلبي المبدع (أحمد عقيل) ومارون النقاش من خلال اقامتهما في مصر حيث يعود إليهما الفضل في تأسيس المسرح الغنائي الدرامي هناك أما أشهر تلامذة القباني فكما هو معروف لدينا هو الفنان (سلامة حجازي) رائد المسرح الغنائي المصري. وقديما كان يعتقد المصريون ان آلة الكمان الموسيقية لا تتناسب مع الغناء العربي الشرقي لكن بعد سفر الموسيقي الحلبي وعازف الكمان الشهير (أنطوان الشوا) وابنه إلى مصر وسماع المصريين المعزوفات والألحان الشرقية لـ (انطوان) تغيرت نظرتهم وتم اعتماد هذه الآلة واضافتها إلى التخت الشرقي الموسيقي. ويأتي دور (كميل شمبير) هذا الفنان الحلبي الذي ساهم بشكل فعلي في الارتقاء بالموسيقى العربية فهو يكتب لسيد الملحنين الشيخ سيد درويش النوتة ويرافقه في المساهمة والتأثير الشيخ علي القصبجي الذي عمل منشدا ومرتلا دينيا وهو حلبي المولد ووالد ملحن مصر الأول (أحمد القصبجي) الذي غنت له سيدة الطرب في مصر رائعته اللحنية (رق الحبيب). أما الشيخ علي الدرويش صاحب كتاب (النظريات الحقيقية في علم القراءة الموسيقية) الذي درس في المدرسة السلطانية علم الصولفيج وقواعد الغناء والأناشيد فقد سافر إلى القاهرة للتدريس في المعهد الملكي الموسيقي ودون هناك الكثير من الموشحات والأدوار المصرية ومن المفيد أن نشير إلى ان سيدة الغناء العربي (أم كلثوم) كانت إحدى تلامذة هذا المعهد ويذكر أيضا ان المستشرق الكبير البارون (رودولف دي ارلنجر) المتخصص في شئون الموسيقى العربية والانجليزي الجنسية قد تعرف على الشيخ الحلبي علي الدرويش واصطحبه معه إلى تونس للعمل معه في وزارة المعارف التونسية ولمساعدته في شئون وأبحاث التراث والشيخ علي الدرويش قام فيما بعد بتأسيس معهد حلب الموسيقي. أما أحمد عقيل فهو من أعلام الغناء في هذه المدينة الموسيقية العريقة وقد أخذ عن فنونه كثير من أعلام الموسيقى المصرية نذكر منهم الشيخ يوسف المنيلاوي وعميد الموسيقى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عبدو الحمولي وأيضا عميد المسرح الغنائي المصري الشيخ سلامة حجازي وهؤلاء جميعا قدموا حينها إلى حلب وتأثروا بروادها ومبدعيها من المغنيين والموسيقيين. ويقول الشيخ كامل الغزي في وصفه لـ (أحمد عقيل) في كتابه (نهر الذهب في حلب) ان من تلامذته زوجة قنصل ايطاليا في حلب آنذاك والتي قالت في مدحه: ان هذا الأستاذ المفنن قد يقل نظيره حتى في أوروبا ومن المفيد أن نشير إلى ان من تلامذة أحمد عقيل كان الشيخ عمر البطش الذي احتل مركزا مرموقا فيما بعد في المجال الموسيقي واللحني وأيضا كما ذكرنا سابقا الشيخ أبو خليل القباني.