كان شعر المناسبات يمثل قلقا دائما لمتذوقي الشعر العربي. فهم يرفضون هذا النوع من الشعر الذي لاينتج عن مشاعر صاحبه بقدر ما ينتج عن ضرورة المشاركة واصطناع التوافق مع حدث ما. وفي الثلث الأخير من القرن الماضي. أو على الأصح الذي مضى توا قامت ثورة على شعر المناسبات, التي اتخذت لها هدفا أحمد شوقي واسماعيل صبري وخليل مطران على اعتبار أنهم أكثر الشعراء (المحترمين) الذين كتبوا في المناسبات, فاذا مات فلان رثوه حتى أن لأحمد شوقي ديوانا كاملا في الرثاء قرأته مرارا وأنا في المدرسة وأظنه سبب الاكتئاب الذي يصيبني حتى اليوم! واذا أتى لفلان ولد حياه الشاعر بقصيدة ترصد تاريخ ميلاد القادم العزيز, واذا زار ولي النعم مدرسة ابتدائية دبج الشاعر قصيدة عصماء. وهكذا صار هؤلاء الشعراء ومن هم دونهم موضع انتقاد الثائرين. وقبل أن أتحدث عن هؤلاء الثائرين أحب أن أتحفظ على ما يقولون رغم وقوفي في صفهم. فليس كل ما قاله هؤلاء الشعراء ينتمي الى شعر المناسبات. وأنا أعتقد أننا ظلمنا أحمد شوقي في هذا وغيره. فأحمد شوقي له شعر رائع في مجالات أخرى. ورغم ضعف البناء الدرامي في مسرحياته, إلا أنه صاحب الفضل في ابتداع المسرح الشعري العربي, بل ان الضعف الدرامي ليس شيئا كما ادعى معاصروه. وكان الثائرون مجموعات مختلفة أهمها مدرسة أبولو التي مثلها أحمد زكي أبوشادي وانتمى لها علي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل وصالح جودت. وأيضا مدرسة الديوان التي كانت تتكون من الثالوث الكبير العقاد والمازني وعبدالرحمن شكري. ولم يستطع الثائرون انقاذ الشعر. لكنهم ربما أثروا في شعر المناسبات فأضعفوه. بل اختفى كثير من أبواب هذا الشعر الآن. والذوق السليم يوافق على هذا, ولكنني أتساءل ألم يكن شعر المناسبات والاخوانيات وما شابه من عناصر مرفوضة, كانت سببا في تماسك الشعر العربي, والحفاظ على اللغة العربية؟ لايعني هذا أنني أوافق على شعر المناسبات.. ولا على فكرة المناسبات نفسها. وكان أحد الكتاب يضع أمامه تاريخ ميلاد ووفاة العظماء والمشاهير من الأسكندر الى نابليون الى فيكتور هوجو وشكسبير الى عبدالله النديم وجمال الدين الافغاني وطه حسين الخ.. ويقدم الى الصحف مقالات تضطر لنشرها حتى تغطي المناسبة. ولقد زرته ذات يوم في بيته فوجدته أكثر زحاما بالكتب والأوراق من بيت محمد عودة الذي دققت الجرس ففتح لي ومددت يدي لأصافحه فتسلقت على مجموعة من الكتب وأنا مازلت خارج الباب. وعندما دخلت كان مشغولا بالتليفون فقال لي: ارفع أي كتاب واجلس مكانه. ولقد حاولت فعجزت. وأخيرا انتهى من حديثه وأتى ليرفع بعض الكتب, ويجلسني مكانها. وأكره ما أكرهه من أحاديث المناسبات الحديث عن 5 يونيو فما أن تأتي هذه المناسبة حتى نستعد بالسياط والجنازير والأحجار لندق بها أجسادنا حتى تنزف دما. وأغتظت مما يحدث الى حد أنني فكرت في كتابة مسرحية كوميدية عن 5 يونيو حتى أحاول تعديل الصورة. وبالطبع لا يخطر على بالك أنني أهون من شأن ما حدث. فأنا أوافق على أن هذه الهزيمة هي أكبر هزائمنا في العصر الحديث منذ أن هاجمت الأساطيل الأوروبية أسطول ابراهيم باشا ودمرته كمقدمة لتحجيم الحركة الاستقلالية النهضوية لمحمد علي باشا. ما لا أوافق عليه هو أن نظل ثلاثة وثلاثين عاما على نغمة واحدة, أي نرى القضية من جانب واحد. ثلاثة وثلاثون عاما ونحن نحمل أنفسنا مسئولية الهزيمة, فنحن شعب لايستحق سوى الهزيمة, وقيادة مغيبة وضعيفة بل وحتى خائنة. طيب قلنا هذا الكلام عاما وآخر. ألا يكفي؟ أليس علينا أن ننظر الى الصورة من جانب آخر. لست ضد البحث عن ظروف الهزيمة وأسبابها, فأنا من المحبين للبحث حتى ولو كان فيما لايفيد. وأشغل نفسي دائما بأبحاث لاتفيدني في شئ مثل تاريخ التدخين ومغزى الأرقام عند الشعوب. أي أنني من أنصار البحث أيا كان.. وبالطبع لايمكن أن أعترض على البحث عن أسباب حدث هام مثل هزيمة يونيو. لكنني أتساءل ألم تكن هناك زوايا أخرى؟ عندما يعتدي عليك شخص ماذا تفعل؟ الا يكون هدفك الأساسي هو رد هذا الاعتداء وعقابه على ما فعل. ولو أننا فكرنا بهذه الطريقة لعبرنا الهزيمة, ولاستمتعنا بالنظر ومن غرائب هذا الكون أن هزيمة يونيو أنتجت فنا مازال حتى الآن يرثي الذات, أما انتصار أكتوبر فلم ينتج فنا يعبر عن الثقة بالذات. وأظن أن هناك فنا يمكن تسميته فن ادارة الهزائم. وأؤمن أننا لانعرف هذا الفن من قريب أو من بعيد. فاذا خسر ناد في مباراة لكرة القدم فهذا معناه أن النادي سينحط مستواه. في حين أن هذه الخسارة قد تعني لادارة النادي فرصة لضبط اللاعبين, أو تغيير أسلوب اللعب, أو ازالة الغرور. ولا تظن أنني أشير الى كرة القدم لأنني أتابع هذه اللعبة. فأنا من القلة النادرة في العالم العربي وربما في العالم كله التي لاتشاهد مباراة كرة القدم ولاتفهم ما يحدث فيها. والمرة الوحيدة التي ذهبت فيها لمشاهدة مباراة كرة قدم كانت منذ سنين طويلة وكنت مجندا في الجيش, وكان من تقاليد التجنيد منع خروج المجندين لشهر ونصف. وكانت أياما قاسية جدا فلم نكن نرى إلا نافذة من شقة في بناية عالية. وكنا نطمئن على سكانها هل ناموا أو استيقظوا أو خرجوا. وفي هذه الأيام عرضوا علينا الخروج لمشاهدة مباراة كرة قدم.. ووافقت فسأرى الشارع مرة أخرى وجلست بين زملائي وبعد قليل أخذت أصرخ معهم وأصفق معهم وأهتف معهم. وعندما دخل الهدف في المرمى قام كل زملائي مهللين. وقمت معهم سعيدا بأن أشاركهم انفعالهم.. لكنني عندما قمت مهللا عند الهدف الثاني اكتشفت أنني الوحيد الذي فعل ذلك, وأن مئات العيون تنظر اليّ فلقد كان هذا هو النصف الثاني من المباراة وانتقل فريقنا الى الناحية الأخرى. ومع ذلك فالتعامل مع فريق كرة قدم مهزوم فن أظن أننا نفتقده.. أما في السياسة فأعتقد أننا نفتقده تماما. ورغم أنه قد مضى على الهزيمة ثلاثة وثلاثون عاما هي عمر شاب كبير, إلا أنني مازلت أذكر هذه الأيام ولا أنسى الغارات الاسرائيلية على القاهرة والتي كانت تعني أن سماءها صارت مفتوحة وأن الأعداد التي أسقطتها الاذاعات من طائرات العدو غير صحيحة. وكنت من أوائل الذين عرفوا من أهل الشارع خبر الهزيمة, عندما عرفت أن القيادة وجهت أمرا بحسن معاملة كل من يتقدم الى إحدى الوحدات العسكرية, وأنه عليها أن تلحقها به. وكان هذا يعني لي أنه انسحاب غير منظم. وعندما حدث هذا كنت مثل شباب كثيرين يتمردون على السلطة وعلى ثورة يوليو. لكنني في هذه الأيام أدركت أن قدرة المؤامرة تتطلب أن أواجه المتآمرين. ولسوء الحظ نادرا ما واجهنا المتآمرين.. بل واجهنا أنفسنا, وصفعنا وجوهنا, وبالتأكيد كان هذا أسهل, وأخجل أن أقول انه كان لبعضنا أمتع!