حقب وعصور مرت والكتاب يحتل الصدارة ويتفوق على كل اساليب المعرفة ليحافظ على مكانته كخير جليس للأنام, ولكي يستقي من صفحاته المتعطشون الى معرفة فنون الادب والعلم والثقافة, والباحثون في أغواره عن اسرار الكون العجيب, ولم يجد التاريخ طريقه الى الحاضر إلاَّ عن طريق الكتب التي انطوت صفحاتها على أحداث لم تكن لتخطر على بال أحد لو فضل الكتاب فهل يا ترى بعد كل هذه الحسنات والأفضال ظل الكتاب في المكانة نفسها؟ الاجابة واضحة ولا تخفى على أحد فثمة امور كثيرة تغيرت في حياتنا ولم يعد الكتاب يبهرنا كسابق عهده لظهور اجهزة الكمبيوتر وشبكات الانترنت, التي سلبت من الكتاب بريقه ووهجه بعد أن اصبحنا مبهورين بهذين الجهازين اللذين وفرا كثيرا من العناء وانحسرت المطبوعات, بل اختفى السواد الاعظم منها ولم يعد هناك اهتمام بالكم أو الكيف بعد أن هجر رواد المكتبات العامة اروقتها المتشوقة لرؤيتهم فأصابنا الخوف والفزع على المستقبل المجهول الذي ينتظر الكتاب, لاسيما وان أرفف مكتباتنا قد خلت الاّ من بعض الكتب السطحية التي لاتروي ظمأنا ولا تثري افكارنا, حتى لاحت في الافق مبادرات من جهات تعني بالشأن الثقافي فأخذت على عاتقها مسئولية بث الروح في الكتاب ليستعيد بعضا من مجده المفقود من خلال اقامة معرض خاص بالكتاب ولكن الاسئلة تبقى كثيرة فما يخص المعارض والكتاب) .. وكيف يمكن ان تتحول عن سوق تجاري الى تقليد حضاري؟ وهل القارىء العربي مازال الكتاب أحد همومه الاساسية.. وهل بقي للكتاب مكان في ظل الفضائيات وهل وهل...؟ هنا قراءات لبعض المثقفين والمهتمين الذين لهم اراء في الموضوع.. حيث يرى الشاعر والكاتب انور الخطيب ان معارض الكتب كفكرة هي من أرقى الأفكار واكثرها التصاقاً بالانسانية, لانها تمثل عصارة الفكر والابداع والانجاز البشري, وهناك دول استطاعت ان تنظم اسواقاً دائمة للكتاب كمظهر حضاري ينافس الاسواق الدائمة لأشرطة الكاسيت والفيديو والألعاب الالكترونية, أو على الاقل يقف في مواجهتها. ويضيف الخطيب قائلا: قد لا يعجب المنظمين لمعارض الكتب في الوطن العربي فإننا لم نصل بعد بالمعارض ان تتحول الى اسواق تجارية, فالسوق التجارية حسب رأيه لها تقاليدها وعراقتها وثقافتها وقوانينها. ويقول: ماهو موجود لدينا, مجموعة من المكتبات حصلت على توكيل من دور نشر لعرض كتبها, وغالبا ما يتواجد في المعرض (بائعون) ليس لهم ادنى علاقة بالكتاب, اي أن الحرفية في التعامل مع الكتاب كسلعة يجب ان تروج غير موجودة حتى الآن, وان وجدت دور نشر لها عشرات الاصدارات, فإنها تنشر اصداراتها على حساب المؤلف, ولم تجازف بدرهم واحد, ولم تتبين كاتباً واحداً, وهذه مأساة عملية النشر في الوطن العربي. وحتى تتحول معارض الكتب الى تقليد حضاري فإنه يرى انه على دور النشر ان تقوم برسالتها من منطلق حضاري دون ان يحمل صاحب الدار آلة الحاسبة, وان يتم التعامل مع الكتاب بشكل حضاري من قبل المؤسسات المعنية واقسامها وموظفيها. سوق غير تقليدية اما الدكتور فاروق اوهان فقال: لو ان رواد المعارض لم يعيروا اهتماما للكتاب, لما صارت معارض, واسواق للكتاب, ولا ضير ان يكون سوق وسوق رائجة للفكر والابداع بين اوساط القراء. ويرى د. اوهان بأن فرصة وجود مكان لتسويق الكتاب, الكلمة, الفكر, الحرفة, والجمال, فإن هذا المكان يمكن ان يتجاوز بذلك كونه سوقاً عادياً, مبتعداً عن تقاليد بيع أية بضاعة سلعية, او انتاجية, أو استهلاكية اخرى, وحسب رأيه بأن هذا لايتم الا بمقياس مدى وعي منظمي المعارض لاهمية مصاحبة فعالية تسويق الكتاب الى تسويق الكلمة, والفكر وفنون العبارة وجمال الادب. ويرى نجيب عبدالله الشامسي (كاتب وصاحب دار نشر) بأن الكتاب ليس سلعة تجارية بحتة يتم عرضها كأي سلعة اخرى في اي سوق تجاري, وانما يجب ان تكون لديه قناعة بان الناشر هو ايضا مسئول عن الارتقاء بالانسان ووعيه وحضارة الامة وذلك حينما يقدم كتبه للقارىء دون المبالغة في الاسعار, مع أحقيته في تحقيق هامش معين من الربح (وكذلك يرى انه على الناشر ان لا يقبل ان يعرض كتباً في معارض الا بعد أن يتأكد من مضامينها, والتي يجب ان تكون هادفة وتسعى للارتقاء بالانسان والمجتمع ولاتسىء للثقافة والوعي. كما يشير الى دور المؤسسات الثقافية والجهات المعنية بالمعارض في مسألة التحول من سوق تجاري الى تقليد حضاري, حينما ترفض اجازة ونشر وعرض الكتب الفقيرة المضمون معتبرا ان فعلت ذلك تشويها للانسان وثقافتة. افتقاد الرؤية الاعلامية ويقول حارب الظاهري (قاص) بأنه لايمكن ان تتحول معارض الكتب العربية الى تقليد حضاري كونها تفتقد الرؤية الاعلامية والثقافية الواضحة, كما يشوب التنظيم كثير من الخلل مما لا يعطي متسع لهذه المعارض في بلورة اقامتها الجادة. ويقول الكاتب اديب عزام ان معارض الكتب يمكن ان تتحول من سوق تجارية الى تقليد حضاري شريطة ان تبتعد عن الربح المادي كهدف لها, وان تتبنى الهيئات الخيرية والدوائر الحكومية مثل هذه المعارض لتقديم افضل ما انتجته البشرية وما فكرت فيه واكتسبته من حيث التوعية والمحتوى للقارىء هموم اقتصادية وفيما يتعلق بالكتاب.. هل مازال يشكل احد هموم القارىء العربي, تقول ربا شعبان (شاعرة): ان المتتبع للحركة الشرائية للكتاب لن يجد صعوبة في اكتشاف مدى تقلص الاقبال على اقتناء الكتاب الجاد ولعل أهم الاسباب وراء هذا التقلص هو انشغال الانسان العربي بهمومه الكثيرة التي يعد الهم الاقتصادي والانشغال في البحث عن رغيف الخبز ابرزها على الاطلاق اضافة الى استيلاء الاعلام المرئي علي حصة كبيرة من وقت القارىء واستسهاله للوجبات الاعلامية السريعة التي تقدم بطريقة لاتخلو من الابهار. وترى ان تقدم التقنيات الحديثة وظهور الانترنت والكمبيوتر كمنافس قوي وكمصدر للمعلومات ادى كل ذلك الى تراجع الكتاب تراجعاً ملحوظا كما تشير الى ان طبيعة العصر وكثرة المغريات والمشهيات الاعلامية الاخرى وضعت الكتاب في معركة خاسرة في كثير من الاحيان, والعلاج لهذه الظاهرة من وجهة نظرها يبدأ من التربية وذلك من خلال توعية الانسان منذ الصغر وتعويده على القراءة كما ترى ان لوسائل الاعلام دورها في هذه المسألة وكذلك المسئولية التي تقع على عاتق الناشر والكاتب في طريقة عرضه وتنسيقه (للوجبة الثقافية التي يقدمها والسعر الذي يطلب من القاري. الارباح اولا! يشير فاروق اوهان الى ان ما يعانيه الكتاب (المخطوط بالطبع) هو نتيجة عدم تعاون عدة اطراف على ابرازه, ومنها دور النشر التي لم يعديهمها غير جني الارباح, بحجج مختلفة كغلاء الورق, وشحة المال, ومن عدم الاقبال على شراء الكتاب. ويرى ان هذه الامور بحاجة لدراسة من كافة الاطراف للوصول الى حلول وطنية وقومية للنهوض بتسويق الكتاب. ويرجع الشامسي ازمة الكتاب الى ازمة الفكر والوعي العربي, اذ يرى ان الكتاب هو نتاج فكري.. ولما كان الفكر العربي معطل وضعيف وغير قادر على مواكبة المستجدات العالمية وغير متابع للاحداث العالمية, وغير قادر على مواكبة التطور الفكري في مختلف دول العالم المتقدمة, حينها يكون هناك خللاً واقعاً وفعلياً ويصبح الفكر فقيراً ومعطلا.. والكتاب فارغا من المضمون ومن الجديد وبالتالي يصبح الوعي العربي متخلفاً ومتراجعاً ويصبح متأزماً. بينما يرى الخطيب ان الكتاب يعاني من ازمات, ابتداء من المؤلف وصولا الى القارىء ويقول انه اذا استمر الحال على ماهو عليه, فلا يستطيع الكاتب ان يعيش من ثمار كتاباته, فإن قيمة الكتابة والكاتب والقراءة ستتلاشى. مبالغة في الاسعار ويقول حارب الظاهري بان هناك ازمة يعاني منها الكتاب وتكاد تكون اكثر مما يتصوره البعض, ومنها الكتاب الجاد, وكيف يصل الى القارىء دون تأثير من دور النشر التي تحتكر هذه الاعمال وتبالغ في الاسعار وبالتالي فساد رواج الكتب الجادة منها. تغطية: عبدالرزاق المعاني