تعد الرواية اهم الاجناس الادبية التي تمتلك قدرة فائقة على رصد الظواهر الاجتماعية والمادية والروحية والفكرية والسيكولوجية رصدا حدسيا تلقائيا , ولعل مصدر قدرتها هذه يتمثل في (كونها جنسا تعبيريا غير منته في تكوينه, مفتوحا على بقية الاجناس الادبية الاخرى ومستمدا منها بعض عناصرها مما جعل خطاب الرواية خطابا خليطا متصلا بسيرورات تعدد اللغات والاصوات وتفاعل الكلام والخطابات والنهوض ضمن سياق المجتمعات الحديثة القائمة على انقاض قطائع اجتماعية وابستمولوجية مع مجتمعات القرون الوسطى) على حد تعبير الدكتور محمد برادة. ولا غرابة ان نجد الرواية دون غيرها من الاجناس الادبية تتمتع بهذه القدرة على التواصل مع المجتمع, ذلك انها نشأت اصلا كي تعبر عن تطور المجتمعات الحدثية من النمط الاقطاعي الى النمط البورجوازي ثم الرأسمالي, وهو ما اومأ اليه (لوكاتش) عندما عرف الرواية بأنها (ملحمة بورجوازية) واذا كانت الرواية قد نضجت في الاداب الاوروبية ثم عرفت طريقها الى الادب العربي الحديث بوساطة الترجمة والاقتباس بداية, ثم بوساطة المحاكاة الشكلية, الى ان استقبلت بهويتها المتميزة منذ العقود الاولى من القرن العشرين تقريبا. وبالرغم من ان الرواية الاماراتية ـ موضوع مداخلتها هذه ـ لم تنشأ إلا في فترة متأخرة (اذا نشرت اول رواية اماراتية في السبعينيات من هذا القرن, وهي رواية راشد عبدالله الموسومة بـ (شاهندة) فإنها استطاعت ان تؤتي ثمارا يانعة في كثير من الاحيان على حداثة تجربتها لانها افادت من التجارب الروائية العربية السابقة فتمثلتها دون ان تفقد اصالتها المتميزة. ويحسن بنا ان نلخص اهم خصائص الرواية الاماراتية قبل الدخول في موضوعنا, حتى تتضح بعض المعالم المنهجية التي لا غنى عن الوقوف عليها قبل الخوض في صلب الموضوع. ان الرواية الاماراتية ترتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة المحلية, وتحرص على معالجة قضايا المجتمع الاماراتي ماضيا وحاضرا, وان عددها يظل محدودا, اذا قيس بعدد الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية. ونجد ان المرأة لم تسهم في كتابة الرواية خلافا للاجناس الادبية الاخرى كالشعر والقصة القصيرة التي بزت فيها الرجل. ولم يتضرع كتاب الرواية الاماراتية للكتابة الروائية, بل نرى الكاتب منهم ينشر رواية واحدة او روايتين. ثم ينصرف الى اجناس ادبية اخرى وهو ما يشكل عقبة كأداء في سبيل تتبع تطور التحولات الاجتماعية في مرآة الرواية. التحولات الاجتماعية في الرواية ما هي مظاهر التحولات الاجتماعية في الرواية الاماراتية؟ ـ لو طوفنا على وضع هذا الجنس الادبي في الدولة لقينا مظهر التحول الفكري ويقصد به ملمح التحول في الرؤى الفكرية والقيمية سواء في العائلة ام في المجتمع, ويمكن ان نتمثل لهذا النمط من التحول برواية (الاعتراف) لعلي ابي الريش, ورواية (شاهندة) لراشد عبدالله ورواية (احداث مدينة على شاطىء) لمحمد حسن الحربي. ولعلنا نستطيع ان نحدد ملامح التحول الفكري في هذه الرواية من خلال العائلة التي تعد نواة للمجتمع. فالابناء في هذه الرواية ينسلخون فكريا عن العائلة ويقودهم هذا الانسلاخ الى التطلع الى تأكيد ذواتهم واستقلالهم اقتصاديا واجتماعيا, وهو ما يعد بادرة من بوادر صراع الاجيال. وقبل ان نقف عند ملامح هذا التحول لابد ان نستعرض اهم الاحداث في هذه الرواية, فمنذ البداية ترتكب جريمة قتل غامضة الملابسات والدوافع, والضحية هو (سهيل) الرجل الطيب الذي خلف وراءه ابنه اليافع (صارم) وابنته (ريحانة) وزوجته (رفيعة) التي وجدت نفسها ارملة وحيدة ليس لها من مؤنس او مؤاس سوى ولديها و(نواف) الكهل صديق العائلة. وعندما يوارى جثمان (سهيل) يطرح سؤال تقليدي على غرار ما يحدث في الروايات (البوليسية) وهو من القاتل؟ وهنا ينهض الفتى (صارم) مطالبا بثأر والده وآليا على نفسه ألا يذهب دمه هدرا فيحضر بندقيته ويغدو صاحب قضية كبيرة تذكرنا بقضية (الزير سالم) في مسرحية (الفريد فرج) او قضية (هاملت) في مسرحيته شكسبير ولكن (صارما) الفتى الغض ما يلبث ان ينغمس في تجربة عاطفية هائما بالفتاة (رحاب) التي كان موعودا بها قبل مقتل ابيه لا هم له سوى سيرتها وصديقه (محمد) يتعلق هو الآخر بـ (ريحانة) فيطلب يدها ويتزوجها متحديا والده (سمحان) الذي كان يعارض ارتباطه بها, ويريد ان يحمله على الزواج من ابنة (أبي سعد) التاجر الثري. ونرى الصديقين (صارما) و(محمدا) اللذين كانا زميلي مدرسة يقرر كل منهما ان يهجر مقاعد الدراسة ويتزوج ويعتمد على نفسه في بناء مستقبله. وفي نهاية الرواية نفاجأ بـ(سمحان) والد (محمد) يصاب بمرض السل فيشرف على الموت, وفي لحظات احتضاره يعترف للفتى صارم بأنه هو قاتل والده متوسلا اليه ان يصفح عنه. ما يهمنا في هذا الملخص الموجز لاحداث رواية (الاعتراف) هو تمرد الابناء على العاذلة وقيمها وهو التمرد الذي تبدو لنا ملامحه عبر التطلع الى تأكيد الذات واستقلالها. واننا نستطيع ان نقسم شخصيات هذه الرواية الى شخصيات تمثل الجيل القديم وشخصيات تمثل الجيل الجديد وذلك من خلال عينة العائلة, وفي مقدمة الشخصيات التي تمثل الجيل القديم (سمحان) و(رفيعة) اما شخصيات الجيل الجديد فتتمثل في كل من صارم ومحمد خاصة فضلا عن بعض زملائهما في الدراسة. ان الشخصيات التي تنتمي الى الجيل الجديد تسعى جاهدة للانفصال عن العائلة ذات القيم التقليدية, راغبة في الاستقلال عنها محاولة ان تعتمد على نفسها في صنع مستقبلها ولعل ابرز شخصية نموذجية ترمز الى الجيل الجديد هي شخصية محمد الذي كان متمردا على والده الذي كان يريد ان يرغمه على الزواج من نورة ابنة التاجر ابي سعد منتظرا من وراء هذه الزيجة ارباحا تجارية ومادية وكأنه (صفقة غالية الثمن) على حد تعبيره. ان محمدا يرفض المال والجاه الذي يتمتع به والده, ويريد ان يختار زوجته بنفسه ويعيش على سجيته, وهو يمتلك الثقة الكاملة في قدرته على ان يواجه الحياة بنفسه ويسلك طريقه بإرادته, فهو يؤكد لصديقه محمد في ثقة مطلقة: طالما قررت ان اصنع مصيري بيدي واحدد مستقبلي بنفسي فهو (اي والده) لن يستطيع ان يحرك ساكنا او ينطق بكلمة, فالامر امري والرأي رأي. ومن هنا نراه لا يتردد في تحدي ارادة والده فيرفض الزواج من ابنة التاجر ويتحرر من سيطرة والده ماديا بالبحث عن وظيفة ادارية ثم يتزوج الفتاة التي اختارها, ويعيش كما اراد, ويبدو ان الكاتب كان واعيا بثقة هذا الجيل في نفسها والرغبة في تأكيد ذاته ولهذا نراه يصف حركات محمد وهو يسعى الى وظيفته. وعند الصباح الباكر ارتدى محمد جلبابه الابيض وصف شعره ووضع العقال بشكل شامخ من يصادفه في الطريق يظن انه من رجال الاعمال او من اصحاب المهن او المراكز الحساسة. يسير في مشيته في توؤده, لا يظهر في مشيته اي ارتباك او احساس بصغر الحجم, وقف على الشارع في انتظار الاتوبيس الذي ينقل موظفي وزارة الكهرباء. واضافة الى شخصية محمد نجد كذلك شخصية صارم الذي كانت هواجسه اكبر من سنه ففضلا عن قضية الثأر التي كان ينوء تحتها نراه في البداية مصمما على مواصلة الدراسة وتحقيق طموحه في ان يكون طبيبا نافعا لابناء قريته ولسائر الفقراء. ولعل هذا الطموح يعكس لنا مساحة وعي هذا الجيل الذي لم يكن متقوقعا على ذاته او لم يكن جزيرة معزولة في محيط واسع, وانما كان على صلة وثيقة بالآخرين من ابناء قومه, بل ان دائرة هذا الوعي تتسع احيانا كي تشمل الامة ويكفي ان نذكر في هذه العجالة اشارة عابرة الى محفوظات محمد من الابيات الشعرية التي وردت التاريخ البطولي للشعب العربي في نضالاته ضد الاستعمار, وخاصة الشعر العربي الثوري عن فلسطين والاحتلال الفرنسي للجزائر. وهكذا فإننا نجد تأكيد الذات يندرج في الرواية من الذات الجزئية الفردية الى الذات الجماعية الوطنية الى الذات القومية, علما بأن هذا التدرج لم يكن مطردا او متعاقبا اي انه كان عفويا في الرواية, ولم يكن نتيجة تخطيط روائي. التطلع الى قيم جديدة وهنا تطرح معادلة في الرواية لا تحل بسهولة وهذه المعادلة مرتبطة بقيمة من القيم الاجتماعية التي نجد لها جذورا تمتد حتى العصر الجاهلي, وهي قيمة الثأر التي تعنينا في هذا المقام اكثر من غيرها, فالعرف الاجتماعي يقضي بأن ينتقم الابن لابيه وان يثأر لدم والده.. ولو فعل غيره ذلك فإنه يعتبر نقيصة في حق صارم, لان ذلك يبين امام الناس ميوعة الابن وجبنه وعدم قدرته على مواجهة الحقيقة. هذا ما يقرره الكاتب في الصفحات الاولى من الرواية وهذا ما يجعل صارما يهب على اثر مقتل والده فيبحث عن البندقية, ويظل مصرا ظاهريا على المطالبة بدم والده على امتداد الرواية, دون اتخاذ اية خطوة عملية جادة في البحث عن المجرم كي يثأر لوالده بل نراه يتناس قضيته او يتناساها ويغرق في تجربته العاطفية الى حد التهافت وخاصة عندما نراه يبكي امام والدته التي عادت توا من منزل (رحاب) وهي تحمل الانباء السارة. وربما كان لهذا الموقف دلالة اجتماعية معينة, وهي ان صارما لم يكن مقتنعا في قرارة نفسه بعادة الانتقام الموروثة تاركا الامر للدولة التي تنوب عنه ويؤنسنا الى هذا التأويل ان الكاتب في نهاية الرواية يعطي رأيه في قضية الثأر بطريقة غير مباشرة فيدينها ضمنا ويدعو الى الاعتماد على العدالة الالهية التي جعلت المجرم سمحان في الرواية يعاقب بعقوق ولده, ثم باصابته بداء السل واضطراره الى الاعتراف بذنبه. ويبدو لنا التطلع الى توكيد رؤية علمية في رفض الابناء لبعض الممارسات التي تتنافى مع المناهج العلمية الحديثة, فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد والدة صارم تؤمن بقدرة الاولياء من امثال (الشيخ بن رحمة) على اشفاء المرضى كما تؤمن بأهمية جلسات الزار وعلاج الامراض المستعصية بالاعشاب والادوية الشعبية, خلافا لابنها الذي يرفض هذه الطرق التقليدية ويسخر منها بوصفها من طرق (القرون الوسطى) على حد تعبيره ومن هنا نرى صارما يسخر من نصائح والدته عندما مرضت شقيقة نواف ويختلف معها في طرق علاجها. والجدير بالاشارة ان هذا النوع من الصراع سبق لروائيين عرب آخرين ان تناولوه في اعمال روائية كثيرة وفي مقدمة هؤلاء الروائيين يأتي كل من يحيي حقي في (قنديل ام هاشم) , وتوفيق الحكيم في (يوميات نائب في الارياف) ونجيب محفوظ في ثلاثيته, وقد كانت رؤى هؤلاء ومواقفهم متفاوتة فاذا كان توفيق الحكيم ونجيب محفوظ قد اهتما بإثارة الاسئلة المتعلقة بهذا الصراع وتصوير ملامحه دون تصور لاسلوب نهايته, فإن يحيى حقي يحاول ان يحلل طبيعة هذا الصراع فينتهي الى انه صراع بين الايمان والعلم ويحاول ان يوفق بين هذين القطبين فيجعل الدكتور (اسماعيل) بطل الرواية يكتشف في الاخير ان العلم والايمان ليسا متناقضين ابدا بل متكاملين ومتلازمين وهما صنوان يتآلفان ويشكلان الرؤية السليمة الى العالم, وهي الرؤية التي تعيد التوازن الى نفسيه الدكتور اسماعيل وتبدد الحيرة في عقله. إلا ان عليا ابا الريش في هذه الرواية لا يحرص على تتبع العلاقة بين منهج صارم ومنهج والدته, ولا يحرص على حسم هذا الصراع بين المنهجين على نحو ما نرى في (قنديل ام هاشم) , وانما يكتفي بوصف ملامحه على نحو ما ورد في (يوميات نائب في الارياف) وثلاثية نجيب محفوظ والحقيقة ان (عليا ابا الريش) معذور في ذلك لان موضوع روايته (الاعتراف) لم يكن يتمثل في وصف الصراع بين منهجين معينين في رؤية العالم بقدر ما كان يتمثل في وصف ملامح التحولات الاجتماعية والصراع بين جيلين احدهما ينحسر والآخر ينهض. وفي موقف آخر تتجلى لنا ملامح هذه التحولات من خلال المقابلة بين الثقافة الادبية الفكرية الموروثة والثقافة العلمية المعاصرة, وهي المقابلة التي يعبر عنها الكاتب بوضوح في موقف المناقشة بين الطلبة في الرواية حيث نرى كلا من فاهم وصارم يعتزان بالثقافة العربية العريقة خلافا لاحمد الذي كان يراها من اسباب تخلف الامة ويدعو الى الثقافة العلمية الحديثة. وتكشف تلك المناقشة بين الطلاب المتبايني المواقف من الثقافة العربية العريقة والثقافة العلمية المعاصرة, عن رؤية تاريخية شائهة, ذلك ان الثقافة العربية القديمة لم تكن ثقافة ادبية فحسب, وانما كانت ثقافة علمية كذلك. ومهما كان الامر فان هذه الرؤية التاريخية القاصرة لا تعبر عن موقف الكاتب بطبيعة الحال, بقدر ما تعبر عن وجه من اوجه المزالق التي يمكن ان ينزلق اليها الجيل الجديد, ويعني الانسلاخ عن الهوية الثقافية التي تعد رابطا اجتماعيا متينا كما هو معروف. وهذا يجرنا حتما الى تسجيل بعض التحفظات على الجيل الجديد كما تصوره الرواية, وفي مقدمة هذه التحفظات ما يبدو من اندفاع شديد في تأكيد الذات الفردية وروح التمرد على القيم العائلية والاجتماعية, وهو الاندفاع الذي يؤدي احيانا الى القطيعة التامة بين جيل الاباء وجيل الابناء, على نحو ما رأينا في الرواية, بل اننا نجد شخصيات روائية تبالغ كثيرا في التمرد على الاباء باسلوب لا يخلو من رعونة وتدهور, ويكفي ان يشير الى موقف احمد من والد محمد الذي كان يهدده بالطرد من المنزل اذا لم يستجب لرغبته ويتزوج من ابنة التاجر الثري, فقد تذمر احمد من سماع كلمة الطرد, وقال في ازدراء: (لو كان هذا ابي لقتلته, ثم فرد سبابته, وغرست اصبعي في عينيه) . وكما نرى فان هذا التمرد يتخذ مجرى خطيرا يهدد بالانفصال التام عن جيل الاباء, وهو ما يجعلنا نتساءل عن سبب هذا الانفصال في الرواية, فهل يمكن القول ان جسور التواصل بين الطرفين نسفت بسبب التناقض بين عصرين مختلفين تماما, وهما عصر الاباء وعصر الابناء؟ ام ان تلك الجسور قد نسفت بسبب الرغبة الجامحة في التحرر من السلطة الابوية ومحاولة اثبات الذات؟ ام ان السبب يرجع الى كون رمز الجيل الجديد في الرواية كان من الشباب الغض الذي تظل تجربته في السلوك ومواجهة الحياة ضحلة ومحددة؟ ام ان السبب يعود الى ابعد من هذا كله, فيرتبط بطبيعة المرحلة التاريخية التي تتناولها الرواية, وهي مرحلة الطفرة الحضارية التي انعكست اثارها على المجتمع الاماراتي فجعلت ولاء الفرد للقبيلة او العشيرة او العائلة التي تمثلها السلطة الابوية وترمز لها, يضعف, وبالتالي فانها جعلت الفرد يعبر تلقائيا عن نزوعه الى الاستقلال في تصرفاته والاعتماد على نفسه في مواجهة مصيره الاجتماعي؟ ربما كان لهذه الاسباب مجتمعة دخل في تحديد العلاقة بين جيل الابناء وجيل الآباء في هذه الرواية. قسم اللغة العربية- جامعة الامارات