لايزال الروائي الامريكي أرنست همنجواي على الرغم من مرور حوالي اربعة عقود على وفاته يفرض وجوده كأحد اهم الكتاب الامريكيين في القرن العشرين. فقد بقيت شهرته شاهدا على مكانته المرموقة لتستمر نبع إلهام للكثيرين. ولم يستطع ان يحاربها أو حتى يقترب منها آلاف المقلدين أو يقلل من قدرها أكثر النقاد قسوة واجحافا بحقه او جهلا بموهبته . كان همنجواي بمثابة المرشد الروحي لرالف اليسون ونورمان ميللر وريموند كارفر, ولاتزال اعمال الروائيين مثل جون ديديون وبيث هامبل وآمي هيمبل ودنيس جونسون والمور ليونارد وروبرت ستون تعكس مدى الاثر الذي تركه اسلوبه المميز ومفرداته التي تنطلق من رحم الواقع عليهم. ومما يبعث على الدهشة والاستغراب ان كتبا جديدة لاتزال تنشر لهمنجواي, ففي 21 يوليو الذي يصادف الذكرى المئوية لميلاده, ستصدر دار النشر سكريبنرز آخر مخطوطاته الكبرى غير المكتملة التي يتحدث فيها عن ذكرياته اثناء رحلات الصيد التي قام بها في افريقيا عام 1953. واشرف على مراجعة النص ابنه الأوسط باتريك, البالغ من العمر 70 عاما, تحت عنوان (حقيقي في أول ضوء) , ومنذ اصدار (الوليمة المتحركة) عام 1964 والتي كان همنجواي اختار لها عنوان العين والاذن, لم يتوقف ابناؤه عن نفض غبار الماضي عن مخطوطاته, التي لم تكتمل وطرحها في الاسواق, لتثير في كل مره اهتمام القراء والنقاد, وتعيد همنجواي نفسه الى واجهة الساحة الادبية. وقد بدأت الاحتفالات بمرور مائة عام على مولد همنجواي بداية مبكرة وذلك بعقد ندوة خاصة عن حياته واعماله في مكتبة جون كيندي في بوسطن, التي تضم معظم مخطوطاته ورسائله, وبالاضافة الى اولاده الثلاثة جاك وباتريك وجريجوري, سيشارك في الندوة اربعة من الذين منحوا جائزة نوبل في الادب بما فيهم سول بيلو ونادين جورديمر, ولكن الاحتفال الكبير بهذه المناسبة سيقام في مسقط رأسه في اول بارك بولاية النيوي, والذي يزخر بالعديد من النشاطات, مثل عرض الافلام والرحلات والمعروضات الخاصة وسلسلة من المحاضرات والاعمال الفنية. وبعد ان يهدأ صخب هذه الاحتفالات, يبقى لدينا الكتاب الجديد الذي اشرف على اعداده ابنه باتريك, بعد ان اقتطع ما يزيد على ثلث المخطوطة الاصلية, ويقدم في صيغته النهائية قراءة ممتعة, ومتنوعة, تفيض مرحا وتشويقا, وعلى الرغم من ان الرواية مبتورة, الا اننا ندخل عالم الادغال وصيد الاسود وعلاقات انسانية حميمة ودافئة. اما باتريك الذي قضى بضع سنوات يعمل كدليل سياحي في افريقيا, فيقول ان (شهرته كخبير في الشؤون الافريقية مبالغ فيها الى حد ما, ولكن خبرته في ادغال افريقيا ساعدته كثيرا على تقديم المخطوطة بشكل مقنع ومفيد وممتع) . كان همنجواي قد كتب ثمانمائة صفحة في هذا العمل بين عامي 1955 ــ 1956 قبل ان يضع المخطوطة جانبا, ليتفرغ لاعداد روايته (العجوز والبحر) , وكانت مجلة (سبورتس اللاسترثبيد) قد نشرت على حلقات حوالي ربع المخطوطة, بين عامي 1971 ــ 1972, ولكنها لم تلق الكثير من الاهتمام على أن نشر الكتاب في العام الحالي ينظر اليه على أنه حدث مهم. وبالاضافة الى مايزخر به الكتاب من تجارب اصلية ممتعة فانه يقدم عالما من الغموض, ويطرح الكثير من علامات الاستفهام, وخصوصا انه يتناول الحدود القائمة بين السود والبيض, والرجل والمرأة, والحقيقة والخيال. خلال العقدين اللذين انقضيا بين روايته (لمن تقرع الاجراس) عام 1940 وانتحاره عام 1961 لم ينشر همنجواي سوى روايتين قصيرتين هما (عبر النهر باتجاه الغابه) , (العجوز والبحر) , ولكنه في تلك السنوات كتب آلاف الصفحات, التي لم يستطع ان يصل بها الى نهاية او خاتمة, والجدير بالذكر ان همنجواي اقتطع (العجوز والبحر) من عمل روائي طويل نشر معظمه عام 1970 تحت عنوان (جزر في الجدول) كما بدأ كتابة رواية اخرى تتميز بالغموض والهواجس والنزعات الدفينة في الانسان, تحت عنوان (جنه عدن) نشرت بعد تنقيحها في عام 1986. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما السبب وراء هذا الاهمال المفرط؟ لماذا هذه العبثية وبعثرة الجهود؟ يعزو الكثير من النقاد كل هذه الامور الى عدة اسباب, اهمها الاصابات الخطيرة التي تعرض لها في رأسه, مما جعله متقلب المزاج ومكتئبا في معظم الأحيان. اما ابنه باتريك فيميل الى الاعتقاد بان والده عاش (وتيرة زمنية اسرع بكثير مما هو متعارف عليه, لقد كان في سباق دائم مع الزمن, وعندما بلغ 61 سنة من العمر, اعتقد انه توصل الى حالة انسجام مع نفسه ومع العالم المحيط به. ونعرف من اولئك الذين عايشوه في ايامه الاخيرة انه كان يعاني من اضطرابات ذهنية وصلت الى حد الخطورة على الرغم من انه كان يكتب بغزارة وانسياب قبل انتحاره بستة اشهر فقط. لم يطلع النقاد حتى الان على المخطوطة في شكلها النهائي, ولكن مقارنة سريعة بين النسخة التي اعدها باتريك ومانشر سابقا على حلقات في مجلة (سبورتس اللاسترثبيد) تؤكد بما لا يقبل الشك أن باتريك قام بعمل جبار, جدير بما يتمتع به والده من احترام وشهرة في الساحة الادبية وقد تعمد باتريك حذف جميع المواقف الحبلى بالتوتر بين همنجواي وزوجته الاخيرة ماري. ويقول مبررا ذلك بان بعض المواقف اثارت فيه شعورا غريبا لما تحتويه من مواقف كوميدية سوداء, مثل القاء خطاب من تأليفها تحذر فيه النساء الاخريات من الاقتراب من همنجواي, الذي لم يتردد بتشجيعها والاشاده بقدرتها على الاقناع. بينما ترد هي قائلة:(إنه خطاب نابع من احساس صادق, واعني كل كلمة فيه, ولكنني حاولت قدر المستطاع ان ابتعد عن المرارة والالفاظ البذئية, وفي احد المشاهد تقوم ماري بقلع شجرة الميلاد من دون ان يكترث أحد باخبارها انها شجرة مارجوانا عملاقة. وعلى الرغم من كل مادار من جدل حول جدوى نشر الكتاب, وما اذا كان من حقنا قراءة نص لم يرد لنا همنجواي ان نطلع عليه, الا ان روز ماري بوريل, الاستاذة في جامعة الينوي والمتخصصة بدراسة اعماله المبتورة, ترى في الكتاب مغامرة في عالم ما بعد السرد الحديث, تماما كالمغامرات التي خاض غمارها الكاتب في ادغال افريقيا. وتميل بوريل الى الاعتقاد بأن من الممكن ان يكون همنجواي قد تخلى عن اعماله الاخيرة, ولم يكملها وحتى لايواجه نفسه أو يعرض القراء والنقاد لما كان يعانيه من اضطرابات دفينة. ومع ان ابنه باتريك لا يعارض مثل هذا التحليل صراحة, الا انه يحرص على التأكيد بان (الحكم على والده يجب ان يصدر اصلا استنادا الى انجازاته, وان نكتفي بما هو موجود فيها. بما أن باتريك وأخويه يمتلكون حقوق النشر, فانهم سيحققون ارباحا لا بأس بها, وكذلك سيربح القراء. اما بالنسبة للنقاد فإن كثيرا من الحبر سيراق بالتأكيد لدى صدور الكتاب في يوليو المقبل. إعداد: سليمان عوض