تبدأ اخر حملة تنقيبات اثرية في موقع جرف الاحمر بشمال سوريا في مايو القادم وتستمر شهرين قبل ان يدفن على عمق 15 مترا تحت مياه البحيرة التي ستتشكل وراء سد تشرين . يقع جرف الاحمر الذي كان ماهولا من نهاية الالف الحادي عشر وحتى بداية الالف التاسع قبل الميلاد في شمال غرب حلب. وتشكل التنقيبات الاثرية فيه جزءا من حملة واسعة لانقاذ المواقع الاثرية في وادي الفرات التي ستغمرها مياه سد تشرين المقرر ان يبدأ ملؤه في نوفمبر القادم لينتهي بعد ثلاث سنوات. وقالت مديرة البعثة الاثرية الفرنسية - السورية دانيال ستوردور ان (موقع جرف الاحمر مهدد بدءا من الشتاء القادم لانه يقع في اسفل وادي الفرات واختفاءه يثير حزني لانه موقع اثري ضخم ومدهش) . واوضحت ان الاكتشاف الكبير الذي حققته حملة التنقيبات في 1998 كان العثور على بناء جماعي هو عبارة عن مبنى دائري مخصص لاستعمال جماعي ولعمليات التخزين. واضافت بالنسبة لحملة التنقيبات خلال السنة الجارية فانها ستشمل التنقيب في منزلين اخرين جماعيين حددنا موقعهما. وكانت البعثة الفرنسية-السورية حصلت منذ حملة التنقيبات الاولى في 1995 على معلومات بالغة الاهمية من هذا الموقع لفهم عملية الانتقال الى عصر الحجر المصقول (العصر الحجري الاخير) التي قادت انسان ما قبل التاريخ الذي كان يعيش من الصيد وجمع الثمار, الى حياة الاستقرار في قرى وتجمعات ثم الى السيطرة على محيطه عبر تدجين النباتات والحيوانات. وقد تم الكشف عن حوالي ثلاثين منزلا في عشر مستويات من القرى مما يسمح بدراسة الانتقال التاريخي من المنزل الدائري الى المنزل المستطيل. واعطى موقع جرف الاحمر اكتشافا اخر بالغ الاهمية. فقد عثر في منزل التهمته النار على بقايا حبوب شعير متفحمة وعلى كتل من الاغذية تحتوي على حبوب. ويقدم هذا الاكتشاف اقدم دليل من العصر الحجري الاخير على كيفية تحضير الاطعمة ويثبت ان سكان جرف الاحمر كانوا يتغذون بالحبوب كالشعير واحد انواع القمح والعدس, ويبدو انهم بدأوا بزراعة جزء على الاقل من المنتجات الزراعية التي يحتاجون اليها. وفي ذلك الوقت كان الطقس اكثر رطوبة واقل حرارة منه الان. وكانت النباتات اقرب منها الى نباتات السهوب الرطبة قليلة الاشجار. واظهرت دراسة بقايا الحيوانات ان الصيد كان يستهدف بالدرجة الاولى الغزلان والحيوانات البرية المنتمية الى الفصيلة الخيلية (مثل الحمار) ونوع من الثيران البرية التي انقرضت. وتمكنت البعثة الاثرية من اعادة تركيب هندسي كامل لمنازل احترقت وانهارت على الفور. وقدم احد المنازل صورة عن النشاطات التي كانت تتم فيه لحظة هرب سكانه منه وعثر فيه على الطاحونة الحجرية (جاروش) وعلى احواض واطباق من الحجر المصقول. وكانت البعثة عثرت في 1996 على الواح من الحجر حفرت عليها اشارات على شكل صور يمكن اعتبارها نوعا من الكتابة التصويرية يعود تاريخها الى الاف السنين قبل اختراع الكتابة. وقد اطلق علماء الاثار على هذه اللوحات اسم (تذكيرات بافكار) معتبرين انه من الممكن ان يكون دورها مساعدا لتذكر روايات قد يكون لها طابع اسطوري او متعلق بالمعتقدات. وقالت ستوردور (انني متروية جدا بالنسبة الى معاني هذا الاكتشاف. فنحن لم نجد مثيلا له اثناء حملات التنقيب اللاحقة كما اننا لم نتقدم كثيرا في دراستنا لهذه الالواح الحجرية) .