لي قريب مهنته طبيب, لكنه مختلف عن عموم الاطباء في انه يحب مهنته ويسعى الى تطوير قدراته, وتشعر به مهموماً في متابعة الجديد دائما ورغبته في الازدياد من بحر العلوم وفي علم الطب بالمقام الاول . هذا الطبيب الشاب يعترف عكس الكثيرين من زملائه ان علمه وقدراته محدودة في عالم الامراض, لكنه لا يعترف بأن حالة المرض قد تكون اقوى من ارادة المريض او المشرف على علاجه, فالحالات المستعصية التي تصادفه يبحث لها عن علاج في جديد الطب وفي عالم (الانترنت) , وهو من مدمني هذه الشبكة, فلا تجلس معه إلا ويفتح لك حديث الطب والجديد الذي قرأ عنه في الانترنت, تسمع منه اسماء اطباء ومستشفيات وجوائز عالمية واكتشافات, وامراض بادت وعادت للظهور وحالات يفضل معالجتها في المستشفى الفلاني وطبيب في بلد ما هو افضل متخصص في علاج نوع محدد من الامراض. وطبعا اذا كنت من المتمتعين بالصحة فلا تتمنى ولا تشتهي ان تسمع مثل هذا الحديث, وإذا شدك حديث الطبيب لانه يحمل الجديد عن هذا العالم فانك ستسمع البداية ولن تملك ان تكمل معه, فلن تفهم اكثر في شرحه المتخصص, ولايهمك معرفة اكثر من وجبة خفيفة عن هذا العالم الدسم. مرة كان يتحدث هذا الطبيب القريب عن مستشفى (مايو كلينك) عن حجمه وامكانياته إلا ان مستشفى آخر مثل (ماساشوسيت) في بوسطن تفوق عليه في السنوات الاخيرة واحتل المركز الاول في ترتيب افضل المستشفيات بالولايات المتحدة الامريكية, وتراجع (مايو كلينك) الى المركز السادس, واخذ يشرح معايير الاختيار ومنح الافضلية والتنافس الشديد بين المستشفيات الامريكية (طبعا) على اختيار الكفاءات الطبية وتقديم افضل الخدمات, وكيف ان خطأ طبياً بسيطاً يرتكب في حق مريض عادي قد يهوى بالمستشفى الكبير الى القاع. حديث الطبيب شعرت باهميته, عندما اعلن نبأ مرض الملك حسين واختياره مستشفى (مايو كلينك) للعلاج, شعرت باهمية انني لو فتحت اذني اكثر, واستمعت لتلك المعلومات التي كان يقدمها الطبيب والتي لاشك انها هامة جداً للذي يتابع اخبار صحة الملك. لماذا اختار الملك هذا المستشفى بالذات؟ لانه افضل مكان في هذا العالم لعلاج امراض السرطان, هذا سبب هام ولكن لابد من اسباب اخرى لهذا الاختيار, فمعلوم ان الملك في سيرة حياته الطويلة, تعرض لعدة محاولات اغتيال, وصلت بعض هذه المحاولات الى طعامه والى قطرة الدواء التي كان يستخدمها, وان الصدف في احيان كثيرة هي التي كانت تنقذه في اللحظات الاخيرة. وانسان تعرض لحالات مختلفة بهدف القضاء عليه, لا شك انه سيكون حذراً جدا في كل الاوقات والحالات والامكنة. قبل ايام قرأت تقريرا عن قصة هذا المستشفى الذي يوصف بانه امبراطورية طبية, سجل فيه خلال العام 97 اكثر من 240 ألف مريض, وارتاده اكثر من مليون ونصف المليون زائر. هذا المستشفى الذي تقدر مساحته بعشرة ملايين قدم مربع تعود بدايات انشائه الى العام 1863, كان عبارة عن مغامرة اقدم عليها طبيب بريطاني اسمه وليام مايو, بناه كمستوصف صغير من الواح خشبية في منطقة على الحدود بين اراض يستقر فيها القادمون من المهاجرين وبين اراض تملكها بعض قبائل الهنود الحمر. ومر المستشفى بعدة مراحل تطويرية حتى اصبح اليوم علامة بارزة في عالم الطب, فمنه خرج اثنان من الاطباء حصلا على جائزة نوبل في 1950, والمستشفى اول من اسس اول بنك للدم في امريكا, وكذلك اجرى اول تجربة ناجحة لتصنيف السرطانات, هذا المستشفى (الامبراطورية) يعمل فيه حاليا اكثر من 31 ألف موظف! منهم 1969 طبيبا, واجرى خلال العام 1997 عمليات جراحية يبلغ تعدادها 96674 عملية فقط!! ونسأل هذا المستشفى الضخم كم يبلغ دخله في العام الواحد؟ يقول تقرير لجريدة (الشرق الاوسط) ان تكلفة علاج الملك حسين خلال الستة اشهر الماضية وهي المرحلة الاولى للعلاج بلغ مليوني و 100 ألف دولار امريكي. وأن الخدمات الطبية التي باعها المستشفى خلال العام الماضي بلغ مردودها مليارين و715 مليون دولار! اما اكبر ثلاثة مصادر للموارد المالية للابحاث, فهي المراكز الصحية الوطنية ودخلها 55 مليوناً, تبرعات خيرية 49 مليوناً ومشاريع تجارية 18 مليون دولار. هذا مستشفى امريكي واحد يمتلك كل هذه الطاقات والامكانيات ويحتل المركز السادس في الافضلية على مستوى امريكا, فكيف بالاوائل. حاولت ان ابحث عن بقية مستشفيات العالم والتقارير المتوفرة عنها على شبكة الانترنت فوجدت عدد 1047 مشفى امريكيا تتوفر عنها بيانات وعدد 52 بانجلترا, ومجموع 362 مشفى من 49 دولة من مختلف انحاء العالم منها خمسة من تركيا مثلا. اما عدد المستشفيات العربية التي حاولت ان اجد اية معلومات عنها على هذه الشبكة, فهو موقع وحيد لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث بالرياض. اتصور من منظور العقل العربي انه لو جمعنا جميع مستشفيات وعيادات بلدان الوطن العربي الكبير الفقيرة منها والغنية فان مدخولها وما يصرف عليها ومراجعيها لا يمكن مقارنتها بمستشفى واحد مثل ( مايو كلينك) ... مفارقة.